خواطر الأصوات | تعديل الدستور بين “دستورنا” و “مشاورات السلطة” و “الندوة الأولى للحريات و الانتقال الديمقراطي” |

لقد استمعت بشغف و نظرت بإمعان في مبادرة “دستورنا” التي تقدم بها السيد فضيل بومالة و التي تنم عن نية صادقة في النهوض بالجزائر من كبوتها، و عن غيرة على حاضرها و مصيرها و ماضيها، و لقد سررت أن أرى […]

لقد استمعت بشغف و نظرت بإمعان في مبادرة “دستورنا” التي تقدم بها السيد فضيل بومالة و التي تنم عن نية صادقة في النهوض بالجزائر من كبوتها، و عن غيرة على حاضرها و مصيرها و ماضيها، و لقد سررت أن أرى في بلادي اليوم من يبادر إلى طرح حلول عقلانية بدل ما كنا نراه من خطب جوفاء.

أوافق الأستاذ بومالة في تشخيصه لما سماه “أمراضنا الكبيرة” و أوافقه فيما ذهب إليه في ما يخص مكامن الخطر المحدق بالجزائر كدولة و كمجتمع، كما أشاطره الرأي في رفض السلطة الفوقية الأبوية، من أجل أن يتحول الشعب من القاصر الذي يحتاج إلى وصي إلى السيد و مصدر كل السلطات.

و لكنني أجدني مجبرا على عدم الاتفاق معه في الآليات التي يقترحها لأنني، في الحقيقة، أجد أن السيد بومالة في هذه النقطة بالذات لم يتحل بالواقعية. فنحن لا نختلف في كون الدستور وثيقة يجب أن تصدر عن الشعب، و لكن الطريقة التي يريدها السيد بومالة مثيرة للجدل. فكيف يريدنا صاحب المبادرة -“كشعب”- أن نقوم بصياغة هذا الدستور؟ فإذا كان يريدنا أن نقدم اقتراحاتنا فرادى فنحن نظن أن هذه الطريقة فوضوية و لن تمكننا من الوصول إلى الغاية المنشودة. فهذا الشعب الذي يقصده السيد بومالة يجب أن يكون منظما، و طريقة التنظيم المدنية العصرية تتطلب أن ينخرط أفراد الشعب في أحزاب سياسية و نقابات عمالية و جمعيات مدنية و تنظيمات طلابية، قصد بناء قاعدة شعبية متلاحمة بشكل أو بآخر، تتعدد فيها الرؤى و المناهج، و يتعلم الشعب من خلالها كيفية التعبير عن الرأي، و كيفية المناظرة و الاقناع بالحجة، و كيفية النضال السلمي لحل المشاكل العالقة، و قيم العمل الجماعي، و نكران الذات، و نبذ العنف و المكابرة في جميع التعاملات.

و لقد رأينا قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة و بعدها بروز تحالفات معارضة (و هذه بادرة محمودة) تنسق جهودها قصد الوصول إلى قاعدة مشتركة يتوفر فيها الحد اللازم من التوافق للوصول إلى صيغة تمكن الجزائر من المرور إلى مرحلة انتقالية حقيقية، يتم حينها التشاور بشأن صياغة دستور جديد للبلاد يكرس الحريات الفردية و الجماعية، و يؤسس لدولة الحق و القانون.

و قد احتضن فندق مازافران بالجزائر العاصمة يوم الثلاثاء 10 جوان 2014 حدثا تاريخيا يكتب في سجل النضال السياسي في الجزائر بماء من فضة، و لعل التاريخ يشهد يوما أن هذا اللقاء شكل اللبنة الأولى لتصحيح ثوري حقيقي، تصحيح لمسار أتى على مقومات البلاد البشرية و الطبيعية و المادية فأهلكها أو يكاد، تصحيح ثوري حقيقي لا يتم على ظهور الدبابات و المزنجرات، تصحيح ثوري يعيد لثورة نوفمبر المبدأ الذي أقره المجتمعون في الصومام، مبدأ أولوية السياسي على العسكري الذي اغتصب غداة الاستقلال. هذا الحدث هو الندوة الأولى للحريات و الانتقال الديمقراطي.

إن حدثا كهذا يجمع كل المعارضين للنظام و الشخصيات الوطنية المستقلة ذات الوزن السياسي المعتبر، و ممثلي المجتمع المدني الفتي من نقابات و جمعيات، يوحي أن الساحة السياسية الجزائرية ستعرف حركية متسارعة الوتيرة ستخل بميزان القوى القائم، اختلال سيعلن بداية التغيير و الانتقال الديمقراطي الفعلي. من هنا يمكن أن نرى الندوة على أنها البديل الصائب لمبادرة الأستاذ بومالة، و الرد الوجيه على المشاورات الرامية إلى تعديل الدستور التي دعت إليها السلطة، و هذا النوع من الرد لم نعهده من طبقتنا السياسية متفرقة فما بالك أن نراه منها مجتمعة متفقة، بل و مستعدة للتشاور و التعاون و توحيد الجهود. رد قوي و صارم و جدي لا يمكن للسلطة -بعد إعلان نية الإصلاح السياسي و التعديل الدستوري و الحوار دون إقصاء- إلا التجاوب معه بعد أن فشلت في جلب هذا العدد و النوع من المشاركين في الندوة إلى طاولات مشاوراتها. فالمبادرة التي تقدمت بها تنسيقية الحريات و الانتقال الديمقراطي جاءت بما هو منطقي سياسيا و مقبول عقلا، و التف حولها ممن ذكرنا ما جلب اهتمام الداخل و الخارج في ظل تغطية إعلامية واسعة.

ما تجب الإشادة به مما رأيناه خلال الندوة هو أن الحوار كان مفتوحا و صريحا إلى أبعد الحدود، و رغم الصراحة التي تميز بها إلا أنه -على غير العادة- لم يكن جارحا لأحد و لم يثر حفيظة أحد، أي أنه كان صريحا و أخويا.

النقطة الثانية التي تحسب في سجل إيجابيات الندوة هي أن الداعين إليها ممن شكلوا تنسيقية الأحزاب المقاطعة للرئاسيات و التي أصبحت تسمى اليوم تنسيقية الحريات و الانتقال الديمقراطي، لم يلعبوا دور القيادة بل شاركوا كأحزاب مثلهم مثل باقي المدعوين، كأطراف لها آراء تطرحها للنقاش، و لتنقيح الأرضية التي تقدموا بها و إثرائها.
لقد سرنا ما رأينا أيما سرور، فالله نسأل أن يتحقق فيهم قوله تعالى: “و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون” فيفلحون في مسعاهم هذا.

الجانب الإيجابي الثالث الذي ميز اللقاء هو أن المشاركين أجمعوا على سلامة التشخيص الذي جاء في الأرضية المطروحة للنقاش، و على التوصيات التي تمخض الحوار عنها، من مواصلة النضال السياسي السلمي و ضرورة إشراك السلطة في الحوار و عدم إقصاء أي طرف. و أهم ما أجمعوا عليه من الجانب النظري هو أن نجاح هذا المسعى لا يكتمل إلا إذا تبناه الشعب، أما من الجانب العملي فإن اتفاق الحضور على تأسيس “هيئة التشاور و المتابعة” هو المؤشر الحقيقي على مدى جدية هذه المبادرة، و مدى وعي الجميع بما ينتظرهم من بناء.

و في الأخير، لا بد من مباركة هذه المبادرة التي لم تجعل تعديل الدستور أولوية لها، و لم يكن سلوكها رد فعل مباشر على مشاورات تعديل الدستور التي أطلقتها السلطة، بل أبانت عن نضج جم و جعلت صياغة الدستور -لا تعديله- هدفا من بين عدة أهداف تحقق الانتقال الديمقراطي السلمي و السلس، و هذا سيكون فخرا للتجربة الديمقراطية الجزائرية، سيكون فخرا للجزائر التي قال ابن باديس رحمه الله إنها أرض علم و ذكاء، ذكاء سيجنبها، إن شاء الله، ويلات و أخطاء جيرانها الأقارب و الأباعد.

About فريق التحرير

فريق تحرير مدونة أصوات .