خواطر الأصوات | إلى متى؟ |

 أثارت “تصريحات الرئيس بوتفليقة” بلبلة في الشارع الجزائري، و تخبطا في الوسط السياسي (قد يكون الرئيس المقصود عبد العزيز أو السعيد، لكن هذا لا يغير شيئا لأن هذا نسخة من ذاك)، فتسارعت الأحزاب السياسية المعارضة و الموالية إلى إبداء مواقفها […]

 أثارت “تصريحات الرئيس بوتفليقة” بلبلة في الشارع الجزائري، و تخبطا في الوسط السياسي (قد يكون الرئيس المقصود عبد العزيز أو السعيد، لكن هذا لا يغير شيئا لأن هذا نسخة من ذاك)، فتسارعت الأحزاب السياسية المعارضة و الموالية إلى إبداء مواقفها من الفعل و ردة الفعل، و انقسمت الرؤى إلى أقسام خمسة، فجهة تعتقد أنه من غير الممكن التكهن بما بدا لها رسالة مشفرة تكرس الضبابية التي عهدناها من هذا النظام و أساليبه الملتوية. أما هؤلاء فهم الكسالى الذين استقالوا من الحياة السياسية عمليا و ظلوا في الساحة السياسية جثثا بلا أرواح، لم يُعمِلوا عقولهم فتحجرت منذ سنين، فلا غرابة في رؤاهم و مواقفهم. و هناك من رأى أن هذه “التصريحات” كانت ضرورية بالنظر إلى الاحتقان السياسي الذي يكاد يبلغ مداه، و لكنها، في نظر هؤلاء جاءت متأخرة و هي غير كافية لتضع حدا للسلوك المتهور الذي تبناه أكثر من طرف. و أعتقد أن هؤلاء إما سذج سياسيا تفاجؤوا بما لم يتوقعوا، أم أنهم يهادنون و يرون أن دفع الأذى و الضرر (تطاول الألسنة من الخارج ، خاصة الفرنسية) أولى من جلب المنفعة (استئصال شأفة النظام)، و في الحالتين لا نستطيع أن ننكر إخلاصهم، على الأقل لموقفهم من النظام “القائم”. أما الجهة الثالثة فيمثلها “الأفالانيون” بشقيهم، و كلهم يريدون تصفية حسابات حزبية داخلية ضيقة، و يرون في هذه “التصريحات” فرصة لبلوغ المرام لا تعوض، و هذا السلوك ليس جديدا على الحزب العتيد. و هناك المطبلون للعهدة الرابعة الذين ما إن سمعوا “التصريحات” زادوا على التطبيل زغاريد و “غايطة”، و راحوا يطعنون ظهور المترشحين للرئاسيات بأن “حثوهم” على اجتناب الفتن، رغم أنهم يعلمون كما يعلم الكل أن لا وجود لمرشحين بين المتشاكسين في الأحداث موضوع “التصريحات”. و في حق هؤلاء أتساءل بإلحاح: من أي طينة خلقوا؟ أما الطرف الأخير في المعادلة فهو حزب لم يدل بدلوه و يبدو أنه فقد بوصلته و لم يعد يدري أين يولي وجهه، و هو حزب العمال. و بالطبع بعد هؤلاء جميعا يجيء الإعلام “الحر” ليثني بطريقة أو بأخرى على هذه “الخطوة العظيمة” التي “خطاها” فخامته.

أقول إنه قد آن الأوان ليتوقف الجميع و يكف عن الاستغباء و الاستخفاف بالعقول. إن الرجل المُقعَد كان لا بد له من أن يقف موقفا سياسيا “قويا” يبرهن من خلاله أنه لازال يملك الزمام، فاهتدى الرجل المقعد أو شقيقه المعقَّد إلى سيناريو ميكيافيلي بنكهة سلطة أبوية يحمل رسالة نيرونية (و الميكيافيلية و الأبوية ليستا جديدتين عليهما، أما النيرونية فلم تكن يوما مستبعدة بحكم أن الرجلين جاءا منتقمين أول ما جاءا).

السيناريو: حمار (أقصد كبش) فداء ، يهري بما لا يدري ، لا يعصي “ربه” و يفعل ما يؤمر ، فسعيداني ليس بالرجل الذي يقدم على تصريحات كتلك من تلقاء نفسه ، بل إنه أعجز من أن يقدم على أي شيء من تلقاء نفسه. فما كان من “ربه” إلا أن “رماه على راسو” أي أنه رمى به في اليم و وعده أن لن يتبلل، فسمع العبد الضعيف و أطاع. و الحقيقة أنه لا يوجد أفضل من سعيداني للعب هذا الدور، عقل عصفور في جثة …، و هنا لا بد أن ننوه مرة أخرى بالقدرة الفائقة و الموهبة الخارقة التي يتمتع بها الرجل المقعد و شقيقه في اختيار أشباه الرجال الذين يتحولون إلى حمر مستنفرة متى أراد “ربهم” ذلك.

و هكذا تم لبوتفليقة ما أراد و اجتمعت الظروف المواتية لخروج الدجال من دائرة الصمت، فبتصرف الأب الذي يعنف صغاره المتشاكسين “أوقف المهزلة” التي هي في الأصل صنيعة يده العفنة و ثمرة قلبه السقيم، و في الوقت ذاته أرسل رسالة إلى الشعب الجزائري خلاصتها “أنا و من بعدي الطوفان”، و أنه قادر حتى على وضع البلاد بين مخالب ألد العداء…إن قال للعهدة الرابعة كوني فلم تكن.

من جهة أخرى ، و بالنظر إلى الآراء القائلة إن سعيداني ليس هو المراد تأديبه من خلال تلكم “التصريحات”، فيمكن القول إن الطرفين المتصارعين في أعلى هرم السلطة منذ مدة طالت قد توصلا إلى حل توافقي بعد أن تبين لهما أن مصيرهما مشترك لأن تاريخهما مشترك و أساليبهما متشابهة، فكان لا بد من تلميع صورة طرف منهما علّهما ينجوان معا، و بما أنه من الصعب تلميع صورة الرئيس بعدما تبين للرأي العام مدى تلوثها، فقد تقرر تلميع صورة الجيش، ثم جس نبض الشارع، و لقد رأينا كيف تم ذلك و كيف التف الجميع، بالترهيب و الترغيب، حول فكرة أن المؤسسة العسكرية خط أحمر و أنها صمام الأمان و ضمان الاستقرار، و نحن لا نجادل في هذا و لكننا مازلنا نعتقد أن السياسة الداخلية للسياسيين، و أن الجيش لا ينبغي له أن يتدخل فيها لأي سبب من الأسباب، كما أننا مازلنا لم ننس أن بعض قياداته قد تلطخت أيديها بدماء الأبرياء من الشعب، و تلطخت جيوبها بمال لا حق لها فيه (و لكم نرجو ألا تكون حادثة الطائرة متعمدة لأنها إن تكن كذلك فتلك قمة الخساسة ، سننتظر نتائج التحقيقات في كل الأحوال). فإذا كان الأمر كذلك، أي إذا تم التوافق بين المعسكرين، فالنظام باق، بل إنه سيتجدد و “يتشبب” شكلا، و سنعود القهقرى، و سنكون بذلك أوفياء لتقاليدنا في تضييع فرص التغيير.

لا يفوتني في الأخير أن أذكر كل ذي لب في هذا الوطن أن النظام “القائم” يمر بسكرات موت عسيرة، و أن الوقت قد حان للإجهاز عليه و إراحة البلاد و العباد منه إلى الأبد، و بما أننا على مقربة من استحقاقات مهمة أدعو الجميع إلى الالتفاف حول مرشح يرون فيه خيرا و نزاهة و قدرة على التغيير، و أذكركم بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “لا ينبغي لرجل أن يعيب أو ينهى عن نور فيه ظلمة إلا إذا وجد نور لا ظلمة فيه” فالكمال لله.

About فريق التحرير

فريق تحرير مدونة أصوات .