خواطر الأصوات | صَعفوق مَفلوق يتطاول على قمة بارزة الشموخ |

رحم الله الشاعر إذ يقول: خلت البقاع من الرُّخاخ                   و فردنت فيها البيادق و تسابقت عُرجُ الحمير                   و اصطاد شبلَ الأسد واشق و الرّخاخ جمع رخّ، و الرخّ طائر ضخم يستطيع حمل جدي من غير عناء. و فَردَنَ الطائرُ يعني […]

رحم الله الشاعر إذ يقول:
خلت البقاع من الرُّخاخ                   و فردنت فيها البيادق
و تسابقت عُرجُ الحمير                   و اصطاد شبلَ الأسد واشق

و الرّخاخ جمع رخّ، و الرخّ طائر ضخم يستطيع حمل جدي من غير عناء. و فَردَنَ الطائرُ يعني غَرَّدَ، أما البيادق فهي طيور صغيرة الحجم جدا يكاد وزن ريشها يفوق وزن لحمها و لكن لها أصواتا مزعجة جدا تطرد مَن حولَها، أما الواشق فهو الكلب الذي يقتات على القمامة و لا يكاد يدفع عن نفسه أذى. أظن أن القارئ الكريم يستطيع الآن فهم معنى البيتين الذين ينسبان إلى أبي الطيب المتنبي إلا أنني لم أجد ما أثبت به ذلك فعدلت عنه.

هذا رد على المقال “من وراء التضخيم المفرط لرمزية الشيخ بن باديس؟” المنشور على الصفحة 14 من جريدة الخبر الجزائرية الصادرة بتاريخ 31 ماي 2013م الموافق 2 رجب 1434ه.

أريد في البداية أن أوضح أني وجدت في المقال الذي أرد عليه خروجا عن الموضوع صارخا، و وجدت بدل النقد قدحا، و وجدت بدل التثبت ظنا كثيرا و بدل العلم معرفة سطحية. سأحاول من خلال هذا المقال أن أوضح نقطتين أرى أنهما الأهم، الأولى تتعلق بخطأ فادح يتمثل في أن كاتب المقال ظن أن  لجمعية العلماء المسلمين إيديولوجية معينة، و هذه مقدمة خاطئة لا تؤدي إلا إلى نتائج و استنتاجات خاطئة. أما الثانية فتتعلق بالتناقض الصارخ بين عنوان المقال و محتواه. أما تحليل الكاتب لبعض أفكار ابن باديس و مواقفه فقد وجدته سطحيا أحيانا و خاطئا أحيانا أخر، و سأتطرق للرد عليه باختصار أرجو ألا يكون مجحفا في حق رجل هو بحق أب النهضة الجزائرية، و إن لم يكن مفجر الثورة (بما أنه توفي 14سنة قبل اندلاعها) فلا مجال لنكران أنه كان مشعل فتيلها.

أتأسف أن أرى جامعيا جزائريا – مهما بلغت سطوة الفكر الغربي على عقله – ينزعج أن الشيخ عبد الحميد بن باديس قد “ضخمت” قيمته كرمز للأمة دون أن يشير إلى أن علمه قد حُقِّر، فمن باب الانصاف أن نعترف أن علم الإمام ابن باديس لم يُدرَّس للأجيال و لم يُستفَد منه في جزائر الاستقلال و هذا أكبر انتقاص لقيمة الرجل. و أظن أن أي جامعي، ناهيك بأستاذ جامعي، يجدر به أن يقدر و يغار على القيمة العلمية قبل أن يلتفت إلى حجم الرمزية. ثم إن القول بأن قيمة ابن باديس كرمز للأمة قد أفرط فيها في زمن الرئيس هواري بومدين لأن هذا الأخير كان ” متعاطفا إيديولوجيا، نوعا ما، مع جمعية العلماء” فهذا ضرب من الخبال، و لعل كاتب المقال يطلعنا على “إيديولوجية” جمعية العلماء، فلا أظن أحدا سبقه إلى قول كهذا. أما أنا فأعتقد أن جمعية العلماء كانت جمعية لا إيديولوجية لها، إذن لما قال عبد الحميد بن باديس لطلابه (إذ يرسلهم للتعليم خلال العطل): “لا تكونوا كذوي فكرة يريدون تنفيذها، كونوا كدعاة للخير يحبون لغيرهم ما يحبون لأنفسهم”. و لكن الحقيقة هي أن كاتب المقال توهم أن للجمعية إيديولوجية لأن ” أفكار ابن باديس و مواقفه .. لا تخدم تيارات إيديولوجية محددة” و هذا منهج في الاستنباط خاطئ. جمعية العلماء المسلمين الجزائريين جمعية واكبت حركة إصلاح شملت الأمة الإسلامية كلها،  و كل من درس الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي، الوهابية و السنوسية و المهدية و غيرها، يعلم – يقينا لا ظنا – أن كل حركة كان لها من الخصوصية ما يميزها عن غيرها في أقطار أخرى مع وجود أوجه شبه مردها إلى وحدة الأصل و وحدة المبتغى، أي أن إطارها النظري واحد أما أطرها العملية فمتعددة، تختلف باختلاف واقعها المعاش.

يبدو أن الكاتب عند تطرقه للإيديولوجية فقد بوصلته و نحى منحى جديدا جعله يتهجم على السلفية و يترك القارئ حيرانا متسائلا عن السبب الذي يجعله (الكاتب) – رغم أنه يعترف أن ” بعض التيارات الإيديولوجية” تبحث عن الشرعية من خلال رمزية ابن باديس- ينزعج للقيمة الرمزية للإمام. فإذا كان العيب في هذه التيارات و سبلها – مع اعتراف الكاتب بإخفاقها في فهم سلفية ابن باديس – فالأجدر بهذا الجامعي أن يصحح المفاهيم المغلوطة خاصة أنه يشير إلى أن ” جمعية العلماء بدأت متفتحة في عهد ابن باديس” أي أن” انحرافها” (إن سلمنا أن هناك انحرافا) عن نهجها لم يكن إلا في عهد لاحق، و هنا أيضا لا أجد مبررا للتهجم على رمزية الرجل لأن جيلا خلفه قد “أخطأ”.

و لنتأمل معا هذه الجملة الطويلة التي أوردها الكاتب في مقاله، و التي أرى أنها تناقض عنوان المقال تماما، يقول كاتب المقال: ” و نسأل في الأخير، أين علاقة هذه المواقف مما (و الأصح أن نقول “بما”) تطرحه اليوم بعض هذه التيارات الإيديولوجية التي هي في الحقيقة ليست نتاج فكر ابن باديس و لا علاقة لهم بها (و الأصح أن نقول ” لا علاقة لها (التيارات) به (الفكر)” )، بل هم (و الأصح أن نقول “بل هي (التيارات)”) نتاج أفكار مشرقية بحت، و قد وجدت هذه الأفكار انتشارها ( وجدت انتشارها؟ ما معنى هذا؟ لعله يعني انتشرت) بفعل الأساتذة المشارقة في الجزائر، و بفعل الفراغ الذي ولد بعد استرجاع الاستقلال و إضعاف المرجعية الدينية الوطنية بفعل عدة عوامل”. فإن كان الكاتب يعترف بإضعاف المرجعية الدينية التي يعتبر ابن باديس أحد رموزها، فكيف يُعنوِن مقاله كما فعل؟؟؟

أما عن التحاليل التي وردت في هذا المقال فتجب الإشارة إلى أنها لا تخدم عنوان المقال من أي وجه و لا صلة لها به إطلاقا، و سأوضح فيما يلي.

أولا، يزعم الكاتب أن ابن باديس كان إدماجيا في بداية الثلاثينات، أكان إدماجيا إذ أسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين و فرنسا تحتفل بالذكرى المئوية لاحتلالها أرض الجزائر، ثم جعل شعارها: “الإسلام ديننا، و العربية لغتنا و الجزائر وطننا”؟ و قد حاول الكاتب أن يقنعنا أننا لم نفهم أن هنالك مفهومان هما الادماج و الاندماج و هذه سابقة كسابقة “إيديولوجية” جمعية العلماء. أما الحقيقة فهي أن الإدماج و الاندماج شيء واحد، و قد كان فرحات عباس صاحب الفكرة، و قد رأى (عن حسن نية) أن حقوق الجزائريين السياسية و المدنية لا يمكن الدفاع عنها إلا في ظل مؤسسات الدولة الاستعمارية مع الحفاظ على الهوية الإسلامية، و لكن فكرته هذه قوبلت برفض صارم من طرف علماء الجمعية الذين لم يحبذوا الدخول في مواجهة معلنة مع الدولة الاستعمارية و لا في مواجهة سياسية مع فرحات عباس و لكنهم آثروا العمل الميداني الذي كان يهدف إلى نشر تعاليم الإسلام الحقة في بيئة تعج بجهل أورث ضلالا، مؤمنين أن الاستعمار حدث عارض مآله الانتهاء، و أن الانتهاء منه يتم بالتدرج و أول الطريق ” التطبيق الفعلي لأول أمر قرآني” فشيدوا المدارس و المساجد و النوادي و علموا البنين و البنات دينهم و لغة دينهم.  و لعله من المهم أن نشير إلى أن “مجلة الشاب المسلم” التي تحدث عنها الكاتب كانت في الحقيقة حركة لا مجلة، بل كانت حركة تبناها فرحات عباس ذاته خلال الثلاثينات، و قد عجبت للكاتب يوحي أنها مجلة تمثل لسان حال “شباب” انشقوا عن “شيوخ” جمعية العلماء!

أما النقطة الثانية التي أردت التطرق إليها فهي تخص ما يتعلق بالتشبيه الذي أورده الكاتب بين كل من محمد عبده و ابن باديس من جهة، و مارتن لوثر من جهة أخرى. قد أشاطر الكاتب الرأي في أن الجميع حاول تصحيح مفاهيم مغلوطة عن الدين، فمارتن لوثر وقف مثلا في وجه فكرة صكوك الغفران التي ابتدعتها الكنيسة الكاثوليكية في روما كما يعرف الجميع، أما محمد عبده و عبد الحميد بن باديس فقد حاربا البدع التي انتشرت في بيئتيهما (و التي مرجعها إلى ما يطالب به الكاتب في نهاية مقاله بقوله: ” حتى يصبح الفرد حرا في تأويلاته و تطبيقاته و ممارسته للإسلام…”) و التشبيه من هذا الوجه مقبول. أما أن نقول إن عبد الحميد بن باديس -مثل مارتن لوثر-  قد سعى إلى “إعطاء شرعية أو غطاء ديني للأفكار التحررية و التنويرية…” فهذا ضرب آخر من الخبال. و هو ما يجرنا إلى قول الكاتب أن “ابن باديس كان ديموقراطيا على الشاكلة الأوروبية” و الأغرب أنه يقول: ” فيقولها صراحة في مقالته أصول الولاية في الإسلام” و هنا أتساءل: هل تعلم سيدي معنى كلمة “صراحة”؟ أشك في ذلك!

لقد وضع عبد الحميد بن باديس ثلاثة عشر أصلا للولاية في الإسلام، كلها مستمدة من خطبة أبي بكر الصديق يوم وُلِّيَ على المسلمين، لم أجد فيها كلمة ديموقراطية و لا كلمة أوربا و لكني وجدت فيها هجوما على “… المبهورون بما عند الغير من قشور، الزاهدون فيما عندهم من كنوز لاَ تَنْفَذُ، وينابيع لا تنضُبُ!.”و قد حاول الكاتب إيهام القراء أن عبد الحميد بن باديس ” لم يدعو (و الأصح ” لم يدعُ”) إطلاقا إلى سيادة الشريعة..” و هذا بهتان.

أما الأصل التاسع الذي يدعي أنه يثبت ما ذهب إليه فهذا نصه كاملا:

” لاَ تُحْكَمُ الأمَّةُ إلاَّ بالقانون الذي رَضِيَتهُ لنفسها، وعرفت فيه فائدتها، وما الولاة إلاَّ مُنَفِّذُون لإرادتها، فهي تطيع القانون لأنَّه قانُونُها، لاَ لأَنَّ سلطة أخرى، لفرد، أو لجماعة، فَرَضَتْهُ عليها، كائنا مَنْ كَانَ ذلك الفرد، وكائنة مَنْ كانت تلك الجماعة، فتشعر بأَنَّـهَا حُرَّةُ في تصرُّفاتها، وأنهَّا تُسَيّرُ نفسها بِنَفْسِهَا، وأنَّها ليسَتْ ملكًا لغيرها من الناس، لا الأفراد، ولا الجماعة ولا الأمم، ويشعرُ هذا الشعورَ كُلُّ فردٍ من أفرادها. وهذا الأصل مَأْخُوذ من قوله: ” أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فَإِذَا عَصَيْتُهُ فلا طاعة لي عليكم”. فهم لا يُطِيعونَهُ، هو لذاته، وإنَّمَا يطيعون الله باتباع الشرع الذي وضعه لهم، وَرَضُوا به لأنفسهم، وإنَّمَا هو مكلف منهم بتنفيذه عليه وعليهم، فلهذا إذا عصى وخالف لم تَبْقَ له طاعةٌ عليهم”. و للقارئ الكريم أن يحكم بنفسه.

ثم إني عجبت أيضا للكاتب يقول: ” ونشعر و نحن نقرأ هذه الأصول كأن جون جاك روسو يتحدث عن سيادة الأمة التامة” و أتساءل إن كان قد درس روسو على الإطلاق؟! فالحقيقة أن روسو يصرح أن نظرياته لم تبن على وقائع تاريخية و لكنها مجرد فرضيات (ظن) عن الوضع الطبيعي و مراحل تَبَلوُر القانون الطبيعي، فكيف لفيلسوف هذه مبادئ نظرياته أن يقارَن بعالم ينهل من القرآن العظيم (حق) و السنة النبوية الشريفة (حق) و سيرة السلف الصالح و على رأسهم الخلفاء الراشدون (و الكل يعلم معنى راشدون) ؟! و الحقيقة هي أننا لو بحثنا عن أوجه الشبه بين أفكار ابن باديس و أفكار روسو لوجدناهما لا يتفقان إلا على أن في المجتمع قويا و ضعيفا، و غنيا و فقيرا و أن حالة كتلك توجب وجود قانون، و هذا مبدأ لا يختلف فيه اثنان.

أما بخصوص ما قاله الكاتب من أن “ابن باديس كان من أكبر من أثنى على الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك في صحيفة الشهاب عام 1938، و اعتبره بطلا إسلاميا…” فيجب أن نوضح شيئين قد غفل عنهما زميلنا الجامعي. أولا، إن الثناء على شخص لصفة دنيوية فيه لا يعني أنّا قد زكيناه، فيمكن أن أقول مثلا إن تشي غيفارة كان رجلا فذا، أو أن أقول إن هنري كسنجر كان دبلوماسيا مرموقا، أو حتى أن أقول إن ديغول كان سياسيا بارعا. فقد نثني حتى على كافر من ألد الأعداء كما نثني على المسلم إذا تعلق الأمر بصفات دنيوية، و لكن أن تشوه الصورة و تقول إن ابن باديس قال إن أتاتورك بطل إسلامي فهذا تقول على الرجل، فعبد الحميد بن باديس أثنى على رجل أنقذ بلاده و قومه من أنياب أوربا و هو على بابها، ألا يدل هذا على دهاء سياسي منقطع النظير جدير بالثناء؟ فثناء الإمام على أتاتورك كان لصفات دنيوية لا لخيرية دينية.

ثم إن مقال الثناء قد كتب عام 1938 أي عام توفي أتاتورك و جميعنا يعلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: “أذكروا محاسن موتاكم” (رواه أبو داود و الترمذي و ضعفه الألباني)، أما في سنة 1924 لما ألغى الخلافة التي يزعم صاحب المقال أن ابن باديس لا يعتقد بها فإليكم مقتطفات بسيطة مما كتبه الشيخ:

“إن الإسلام لا يقدس الرجال وإنما يسير الأعمال، فلئن والينا الكماليين بالأمر حناهم، فلأنهم يذبون عن حمى الخلافة وينتشلون أمة إسلامية عظيمة من مخالب الظالمين، وقد سمعناهم يقولون في دستورهم “إن دين الدولة الرسمي هو الإسلام” ولئن تبرأنا منهم اليوم وعاديناهم فلأنهم تبرؤوا من الدين وخلعوا خليفة المسلمين، فكانوا ممن عمل بعمل أهل الجنة حتى لم يبق بينه وبينها إلا ذراع فعمل بعمل أهل النار فكان من الخاسرين، وإنما الأمور بخواتمها والعاقبة للمتقين … وما كنا نحسب أبدا أن يقدموا على إبطال الخلافة ويعلنوا بما هو كفر بواح، لكنه للأسف قد قضي الأمر ووقع ما لم يكن في الحسبان ففعلوا فعلاتهم الشنعاء وجاءوا للإسلام بالدويهات الدهياء فتوالت قراراتهم المشؤومة يحملها البرق في أقطار المعمورة من إبطال الخلافة ونفي الخليفة وآل عثمان ورفض الدولة للديانة وإبطال المحاكم الشرعية وغلق المدارس الدينية وغير ذلك من المنكرات فمرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية وجنوا على الإسلام عدة جنايات” و المقال طويل يمكن للقارئ الاطلاع عليه في مجموعة آثار ابن باديس المجلد 20 الصفحات من 6 إلى 23.

في الأخير لا بد من القول إن الفهم الدقيق لفكر عبد الحميد بن باديس و مواقفه لا يتسنى للكسلى الذين لا يكلفون أنفسهم عناء البحث و المراجعة المستمرين، و الذين ينقادون لغرور بثه فيهم وهم الإحاطة بما لم يحط به أحد، فيتطاولون على قمم شامخة معتقدين أنهم سيبلغونها طولا أو أنهم سينتقصون من شأنها، هيهات هيهات!

About فريق التحرير

فريق تحرير مدونة أصوات .