خواطر الأصوات | (كل) الشعب يريد تقرير المصير |

ترتفع بعض الأصوات في الآونة الأخيرة مطالبة بمقاطعة الانتخابات الرئاسية، بعضها من المجتمع المدني و بعضها الآخر من الأحزاب و الشخصيات السياسية، و من بين الأحزاب و الشخصيات من باشر بسحب الاستمارات و جمع التوقيعات ثم انسحب بعد ترشح الرئيس […]

ترتفع بعض الأصوات في الآونة الأخيرة مطالبة بمقاطعة الانتخابات الرئاسية، بعضها من المجتمع المدني و بعضها الآخر من الأحزاب و الشخصيات السياسية، و من بين الأحزاب و الشخصيات من باشر بسحب الاستمارات و جمع التوقيعات ثم انسحب بعد ترشح الرئيس الحالي لعهدة رابعة، و منها من تبنى المقاطعة كخيار مبدئي.

إن المقاطعة تختلف عن العزوف، و نحن في الجزائر نعرف العزوف منذ أزيد من عشريتين من العمر، فالجزائريون أدركوا منذ الانقلاب على المسار الديمقراطي سنة 1991 أن أصواتهم لا تهم، و أن الانتخابات ليست إلا عملية روتينية يذر النظام عن طريقها الرماد في أعين أولئك الذين لا يبصرون أصلا.

لكن المقاطعة التي يدعو إليها المجتمع المدني اليوم تنم عن تغيير نوعي في الوعي السياسي لدى نخبة البلاد من صحفيين و أساتذة و جامعيين و أطباء و غيرهم من الشرائح، لقد أصبحت المقاطعة اليوم أداة من أدوات الضغط على النظام الذي أحس بخطورتها فهو يسعى إلى كبتها و قمعها عن طريق البوليس. إن المقاطعة التي نراها اليوم تعبر على سخط المجتمع المدني على طبقة سياسية برمتها لم يعد يرى فيها القدرة على التغيير و القيادة و المبادرة. أما المقاطعة التي تدعو إليها الأحزاب و الشخصيات السياسية فهي حجة  لصالح المجتمع المدني تدل على صدق حدسه، و دليل على العجز الذي تعانيه هذه الطبقة السياسية التي تدعي المعارضة، عجز يكاد يضاهي عجز الرئيس الحالي عن قيادة البلاد.

إن ما يجدر بالساسة – و السياسة فن الممكن- هو أن يقاوموا سياسيا، أن يبادروا، أن يقدموا البدائل، أن يبتكروا أسلوبا سياسيا جديدا يقاومون من خلاله كل الانحرافات التي تشهدها الساحة السياسية، لا أن يتبنوا موقف من لا حيلة له. إن هذا السلوك غير المسؤول الذي تسلكه بعض الأحزاب و الشخصيات السياسية لا يزيد الانسداد السياسي إلا انسدادا بدل أن يقدم المخرج من الأزمة المركبة التي طال أمدها، بل إنه يساهم حتى في زعزعة الاستقرار – الهش أصلا – الذي تعيشه البلاد، و لهذا أقول إنه سلوك غير مسؤول.

أعتقد أن المرحلة التي تعيشها البلاد هي مرحلة مخاض عسير، فالنظام لم يعد يقوى على تحمل رفض الشارع لسياساته و ممارساته بل لم يعد يملك الوجوه السياسية التي يمكن – إن رشحها – أن تمتص هذا الغضب الشعبي القادم كسيل سيجرف كل ما في طريقه من حسن و رديء، في الوقت ذاته نرى بوادر تبلور معارضة حقيقية، أقول بوادر، و أعتقد أن ظهورها راجع أيضا لضغط شعبي بلغ درجة لا يستهان بها بعد اندلاع ثورة الياسمين في تونس. صحيح ان الاحتجاجات التي عرفتها الجزائر في ذلك الخضم لم تكن ذات طابع سياسي، و لكننا لا نعيش بمعزل عن العالم، و قد أدرك النظام حينها – تماما كما أدرك ذات أكتوبر 1988- أن المطالب السياسية آتية لا ريب فيها، فعمد – كما عمد حينئذ – إلى فتح المجال السياسي لأحزاب جديدة من بينها من يمثل بصيص أمل في رؤية معارضة حقيقية ذات وزن في الساحة السياسية. بالإضافة إلى ذلك فإن الانفتاح الخجول للصحافة الثقيلة ساهم بشكل فعال في إيصال صوت هذه المعارضة الناشئة إلى مدى لا أعتقد أن المعارضة ذاتها كانت تتصوره أو ترمي إليه أو كانت تظن انها بالغته في المرحلة الحالية، و قد يكون هذا سببا في كونها قد تفاجأت بحدوث المخاض حتى قبل أن تكون جاهزة لطرح البدائل.

إن المخاض الذي تعيشه الجزائر اليوم قد يسفر عن مولود مشوه (في أحسن الأحوال)، سواء بقي النظام الحالي أو تغير، ما لم تتفطن الطبقة السياسية برمتها إلى أن هذا المسار الانتخابي يجب أن يتوقف عاجلا لا آجلا. إن الذين يدّعون المعارضة اليوم (و لا أقول الذين يتبنون خيار المقاطعة فحسب) يجب أن يتحملوا مسؤوليتهم التاريخية كاملة، لأنهم إن أخفقوا اليوم فسوف يجدون من المجتمع المدني و من الشعب بصفة عامة عزوفا جديدا و لن نتقدم قيد أنملة في طريقنا نحو الخروج بالبلاد من عنق الزجاجة الذي يضيق بممارسات هذه المعارضة بدل أن يتسع بأفكارها.

كنت قد طرحت في مقال سابق صيغة لمرحلة انتقالية قد تكون – إن أخذ بها أهل الاختصاص و نقحوها – سبيلا للخلاص، و لكني قلت أن هذا الحل ممكن إن اخترنا طواعية المرور بفترة انتقالية، أما اليوم و قد أجبرنا على ذلك فلا بد من إضافة تناسب ما استجد من أحداث، و الحدث الجديد الأبرز بطبيعة الحال هو ترشح المعتوه، القعيد، المقعد لعهدة رابعة، و هو ما ينم عن تهور بل و عبث صبياني أناني، و هذا ليس غريبا عليه، بل كان متوقعا منه على أي حال.

إن ظهور الرئيس الحالي على الشاشة مؤخرا، يوم إيداعه لملف الترشح في المجلس الدستوري، أثبت للعالم أجمع أنه لم يعد قادرا على أداء مهامه الرئاسية بالشكل اللائق، لا بدنيا و لا فكريا، فصوته لا يكاد يسمع و الخطأ الذي اقترفه فادح خاصة أن مدة حديثه لم تزد عن أربعة عشر ثانية. إن اقتراف خطإ بهذا الحجم في مدة بهذا القصر يفصح عن قدرات عقلية منهكة تماما. أو قد يكون التسجيل استغرق وقتا خرافيا، فخارت قوى الرجل، فنسي! و ذلك أدهى و أمر.

و من هذا المنطلق وجب على المعارضة الجادة أن تنادي بتطبيق المادة 88 من الدستور فورا، أي أن تطالب بأن “يجتمع المجلس الدستوري وجوبا” و يقترح على البرلمان أن يصرح بثبوت المانع، لأن القرائن مجتمعة على عدم قدرة الرئيس الحالي على مواصلة مهامه بما يضمن السير الحسن لمؤسسات الدولة، خاصة أن التعديل الدستوري الأخير أعطاه من السلطة ما يشلّ الدولة إذا هو شلّ. و إذا نظرنا في ما تعطل من شؤون بسبب المرض الذي ألم “بالرئيس الدولة” لكفانا أن المجلس الوزاري انعقد مرة واحدة في ظرف عام كامل، و أن 64 سفيرا لدول أجنبية في الجزائر اضطروا لمباشرة أعمالهم دون المرور عبر بروتوكول تقديم أوراق الاعتماد. و بطبيعة الحال فإن رئيس مجلس الأمة لن يكون قادرا على تولي شؤون الرئاسة كما تنص ذات المادة لأنه من أصل مغربي و لم يتجنس جزائريا إلا في سبعينات القرن الماضي، و عليه “يجتمع المجلس الدستوري وجوبا، و يثبت بالإجماع الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية و حصول المانع لرئيس مجلس الأمة، و في هذه الحالة يتولى رئيس المجلس الدستوري رئاسة الدولة” لمدة 60 يوما تنظم خلالها انتخابات رئاسية.

خلاصة القول أن المعارضة الجادة في الجزائر يجب أن تلتف حول مطلب تنفيذ المادة 88 من الدستور، و أن تلتف أيضا حول مرشح توافقي مستعد أن يجعل عهدته الرئاسية، أو جزءا منها، فترة انتقالية تغلّب فيها لغة العقل و يسود خلالها مبدأ الحوار، و نجمع خلالها شملنا – رغم اختلاف رؤانا- بطريقة سلسة هادئة متزنة.

اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا.

About فريق التحرير

فريق تحرير مدونة أصوات .