خواطر الأصوات | ماذا لو اخترنا المرور بفترة انتقالية؟ (الجزء ٢) |

ليس باليسير أن نضع صيغة لمرحلة انتقالية، خاصة في مجتمع طمست هويته طمسا حتى لم يبق لأبنائه إلا قليل طموح في رؤيته منسجما قادرا على بناء دولة، في مجتمع أصبح يشكك في كل نية إصلاح، بل يخشى أي تغيير، من […]

ليس باليسير أن نضع صيغة لمرحلة انتقالية، خاصة في مجتمع طمست هويته طمسا حتى لم يبق لأبنائه إلا قليل طموح في رؤيته منسجما قادرا على بناء دولة، في مجتمع أصبح يشكك في كل نية إصلاح، بل يخشى أي تغيير، من فرط وقوعه في الفخاخ و المصايد التي تنصب له من القريب و البعيد على حد سواء. إلا أن المرحلة الحالية تقتضي أن ندع جانبا الأنانية المفرطة أولا ثم الخوف من التغيير و الخوف من الخطأ و الخوف من الفشل و الخوف من الرأي الآخر و لو كان الضدَّ ذاتَه، ثم نمضي حقبا محاولين البحث عن المخرج من الأزمة المركبة التي كثرت طفراتها و لن يزيدها خوفنا هذا و أنانيتنا إلا تحولا و تعقيدا.

إن الواقعية تتطلب النظر أولا في التجربة الانتقالية الوحيدة التي خضناها معا، فالجزائر لم تعرف منذ استقلالها حراكا سياسيا كالذي شهدته بين سنتي 1989و 1992، كان يبدو في البداية أن تجربة ديمقراطية فريدة تتطور و تتشكل ملامحها، كانت كمركبة تسير – بتسارع معقول- على أرض معبدة، و لكن سرعان ما ارتفعت وتيرة سيرها و ازداد تسارعها إلى أن فقدت توازنها عند منعرج خطير فهوت في ركن سحيق. إن الأطراف المتنازعة على المقود و التي تسببت في الانزلاق لابد أن تفصح عن ملابسات الصراع، و ما تمخض عنه من مناورات و مهادنات، و ما أسفرت عنه هذه و تلك، لا للرجوع إلى المحاسبة و العتاب و لكن ليتيسر للجميع الحكم على هذه التجربة و استخلاص ما يمكن استخلاصه منها من عبر و دروس، و الأهم من ذلك هو أن نستثمر إيجابيات هذه الفترة إلى أبعد الحدود و أن لا نقع في ذات أخطاء الماضي فنعود إلى المربع الأول و تخرّ قوانا سدى.

أما اليوم فإن الساحة السياسية الجزائرية تبدو – إذا نظرنا إلى الأحزاب ” الكبيرة”- في حالة فوضى تجعل العمل السياسي أقرب إلى التخبط منه إلى أي شيء آخر، و تبدو في حالة ركود و جمود إذا نظرنا لباقي الأحزاب، و عليه وجب اليوم أن نوحد الجهود لترتيب البيت من الداخل، و ترتيب البيت يتطلب جهود الجميع بلا استثناء و لا إقصاء. و لا يعني هذا أنه يجب علينا الاتفاق على كل شيء و لكن يجدر بنا على الأقل أن نجلس – خلال فترة انتقالية – إلى طاولة حوار واحدة بلا شروط، نفتح خلالها بابا لطرح وجهات النظر بطريقة واضحة، عقلانية  و حضارية. و الطريقة الأمثل حسب تصوري تتلخص كما يلي:

أولا، تجتمع الشخصيات التاريخية التي يجمع الجزائريون على نزاهتها و تفانيها في خدمة الوطن لتشكل مجلس الشورى الذي يَنتخِب رئيسا للدولة من بين أعضائه و بأغلبية الثلثين (أقترح أن يكون رئيس الدولة في المرحلة الانتقالية هو السيد حسين آيت أحمد) ، تنتهي فترة رئاسته بانتهاء المرحلة الانتقالية التي تبدأ بانتهاء عهدة الرئيس الحالي و تمتد لسنتين قابلة للتمديد سنة واحدة، و ليس له الحق في الترشح بعدها.

يقوم رئيس الدولة – بالتشاور و التعاون مع مجلس الشورى – بتعيين حكومة انتقالية (أقترح أن يرأس الحكومة الانتقالية السيد مولود حمروش) تتولى الشؤون الإدارية للدولة خلال المرحلة الانتقالية، و تنهض بمسؤولية الاعداد لانتخابات رئاسية و برلمانية تجرى في شهر أبريل سنة 2016 أو سنة 2017 إذا تم تمديد المرحلة الانتقالية.

ثانيا، يُشكَّل مجلس التشريع و المراقبة و تدخله الأحزاب – المعتمدة و تلك التي رفض اعتمادها إضافة إلى الحزب المحل- كتحالفات لا فرادى بتشكيلات تتكون من خمسة ممثلين، كما يمكن للجيش أن يساهم في هذا المجلس بتشكيلة يختارها، فالجيش في الجزائر – شئنا أم أبينا- كان و سيظل فاعلا سياسيا، فالأجدر أن يساهم في اللعبة السياسية خلال المرحلة الانتقالية راضخا لقوانينها لا متعاليا عليها، أما إذا اختار أن يبقى خارجها فلا يحق له بعد ذلك أن يتدخل في الشأن السياسي لأي سبب من الأسباب إلا في حدود ما يسمح القانون به.

توكل إلى هذا المجلس مسؤوليات ثلاث: مراقبة عمل الحكومة الانتقالية، سن القوانين اللازمة للسير الحسن للمرحلة الانتقالية، و صياغة ثلاثة مشاريع دساتير للبلاد خلال مدة لا تتجاوز ثمانية عشر شهرا، يكرس أحدها نظام الحكم الرئاسي، و الثاني النظام البرلماني و الثالث النظام شبه الرئاسي، و تقدم جميعها للاستفتاء الشعبي بعد أن يصادق عليها مجلس الشورى بالأغلبية.

ينتفي أثر القوانين التي سنها مجلس التشريع و المراقبة بانتهاء المرحلة الانتقالية إلا إذا وجد ما ينص على خلاف ذلك، و ينسحب الجيش من الساحة السياسية وجوبا.

ثالثا، تشرف على مراقبة جميع الانتخابات هيئة قضائية مستقلة (أقترح أن يترأس هذه الهيئة السيد علي بن فليس)، تشكل النواة لسلطة قضائية مستقلة مستقبلية تهتم مباشرة بعد انقضاء المرحلة الانتقالية بالنظر في قضايا الفساد التي استشرت في البلاد، و القضايا العالقة منذ العشرية الدموية و المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان أساسا بما فيها ملف المفقودين الذي يمثل شرخا للصف الوطني و قنبلة موقوتة تكاد تنفجر فلا تبقي و لا تذر.

هذا تصوري للفترة الانتقالية التي أعتقد متواضعا و دون أن أدعي كمالا في تصوري، أن من شأنها أن تكون مخرجا من عنق زجاجة الأزمة المركبة التي أقعدتنا طويلا و باعدت بيننا و شتتت شملنا و أنستنا أننا حملة أمانة الله و أمانة الشهداء و أمانة الأجيال القادمة، ننفذ من خلال هذا المخرج إلى وطن رحب يسعنا جميعا، و يحتاج إلى عقولنا جميعا و سواعدنا جميعا، نبنيه معا مخلصين متفانين.

أنا اثنان في واحد كجناحي سنونوة..

إن تأخر فصل الربيع اكتفيت بنقل البشارة

من قصيدة “أنا من هناك” للراحل محمود درويش

About فريق التحرير

فريق تحرير مدونة أصوات .