خواطر الأصوات | ماذا لو اخترنا المرور بفترة انتقالية؟ (الجزء ١) |

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: 9) الرئيس مريض و غائب عن البلاد منذ ما يزيد عن الشهر، و عهدته الثالثة تشرف على أن تبقى “مجرد ذكرى” سيئة بالنسبة لبعضنا و طيبة بعيون آخرين […]

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: 9)

الرئيس مريض و غائب عن البلاد منذ ما يزيد عن الشهر، و عهدته الثالثة تشرف على أن تبقى “مجرد ذكرى” سيئة بالنسبة لبعضنا و طيبة بعيون آخرين منا، و نية البدء في القيام بإصلاحات سياسية و تعديل الدستور معلَنة، و ضرورة القيام بذلك و الحاجة إليه جليَّتان، فماذا لو اخترنا المرور بفترة انتقالية؟ أعني أن نختار ذلك فعلا لا أن تجبرنا الظروف عليه جبرا. كيف يمكن لذلك أن يكون؟

سأتطرق من خلال هذا المقال إلى خمسة بنود أرى – متواضعا – أنه من الواجب علينا أن نتفق عليها لا لشيء إلا لأننا كجزائريين إما نتصف بإحداها أو ببعضها أو بها جميعا، و لقد ظلّت – حسب تصوري – من أكثر الأمور إشعالا لفتيل الجدل العقيم حينا و للفتن حينا، و لذلك وجب تفاديها في هذه المرحلة المعقدة و المصيرية من تاريخ أمتنا الجزائرية التي لن تقوم لها قائمة إلا بوحدة الصف و تكامل الجهود الفكرية و العملية في الميادين كافة. و سأحاول في المقال القادم أن أوضح تصوري للفترة الانتقالية لتكتمل الصورة في ذهن القارئ، و ليتضح له سر افتتاحي بالآية أعلاه، و أهمية الاتفاق على هذه البنود الخمس.

  1. لا نريد أي شماعة نعلق عليها أخطاءنا و إخفاقاتنا.
  2. لا نريد أن نزايد على بعضنا بخصوص الروح الوطنية أو الانتماء الديني، أي أننا لا نريد أن نخوِّن أحدا و لا أن نكفِّر.
  3. لا نريد أن يفلت أي مذنب في حق الوطن و المواطنين من العقاب.
  4. لا نريد أن نتعصب لفرد أو فئة أو حزب أو مؤسسة أو فكر.
  5. لا نريد أن نتبنى العنف كسبيل للتغيير.

أولا، لا نريد أي شماعة يعني أننا نريد أن نواجه أخطاءنا و أن نتحمل مسؤولية الوقوع فيها و أن نبحث لها عن الحلول التي تكفل تصحيحها إن أمكن تصحيحها أو التجاوز عنها إن كان الزمن قد تكفل بطي صفحتها. كلام سطحي مبهم و عام؟ أوافقكم الرأي. للغوص في أعماق هذا الكلام و توضيحه و تخصيصه لا بد أن نقسم الأخطاء و نرتبها حسب طبيعتها و حسب آثارها في حياتنا اليوم و حسب تأثيرها المرتقب.

يجب أن أوضح أن الأخطاء التي أشرت إليها هي أخطاء سياسية، أي أخطاء في طريقة تسيير الشأن العام بكل نواحيه، و أرى أنها تدور حول ثلاثة محاور رئيسية أعتبرها العوامل المشتركة التي صاغت خمس حقب تاريخية، و سأتعرض في ما يلي إلى هذه و تلك:

I- المحاور الرئيسية:

1. استغلال و تطوير الموارد البشرية: أما هذه فأخطاء أصابت الوطن في مقتل، و هي الأخطاء المحسوبة على الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال، التي- بعد أن ألقت بالتكوين في ركن سحيق – أسست ثم رسخت المحسوبية و المحاباة و قدمتهما على معياري الكفاءة و النزاهة، مما أدى إلى حال الانسداد التي نحن عليها اليوم: قيادة فاقدة للكفاءة، و إدارة مشلولة تعج بالرداءة. و هذه أخطاء وجب تصحيحها في الآن، عاجلا لا آجلا.

2. تسيير الموارد الطبيعية: أما هذه فهي أخطاء جسيمة، و السبب في جسامتها يعود إلى كوننا أهملنا جل مواردنا الطبيعية و اكتفينا بما سبقتنا الحكومة الاستعمارية إلى اكتشافه و البدء في استغلاله، فأورَثَنا ذلك اتكالا على مورد واحد و تقاعسا   و زهدا في استغلال موارد أضمن و أقرب نفعا.

3. إنفاق المال العام: و هذه أخطاء تتعلق بما قبلها، فمن المعيَّنين في مناصب حساسة بغير كفاءة و لا نزاهة رجال استباحوا ما بين أيديهم من مال عام فأغدقوا على أنفسهم و على مقربيهم منه، و آخرون أخطأوا التقدير- عن علم حينا و عن جهل حينا آخر- و إذا سمعوا صوتا ناصحا (…جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً) (نوح: 7) أو بهتوا الناصح ملصقين به تهم الخيانة و اللاّوطنية و محاولة المساس بالأمن القومي و التشويش على السير الحسن لمؤسسات الجمهورية.

II- الحقب التاريخية:

1. من الفاتح نوفمبر 1954 إلى 5 جويلية 1962: و هذه أخطاء محسوبة على جيل ثورة نوفمبر ارتكبت إبان الثورة. و هذه في رأيي أخطاء تجاوزها الزمن، لا لشيء إلا لأننا اليوم ننعم باستقلال هو ثمرة جهاد ذلكم الجيل و تضحياته، و هو أول و أهم الأهداف التي كانت الثورة تصبو إليها. أما الجدل القائم حول أبعاد الاستقلال فهو مما يمكن تجاوزه في الفترة الراهنة، و أرى أن الخوض فيه في هذا التوقيت بالذات لن يكون ذا جدوى.

2. حقبة نظام الحزب الواحد: أما هذه فمنها أخطاء يمكن التغاضي عنها بما أن أثرها قد زال أو يكاد يزول أو أنه ممكن الزوال و لو بجهد يسير، و منها أخطاء مست المواطن و الوطن في صلب الهوية فلا يمكن تجاهلها بحال من الأحوال، و يجب تصحيحها لإرساء الدعائم التي ستشد بنيان جزائر ما بعد بوتفليقة.

3. من 5 أكتوبر 1988 إلى 11 يناير 1992: أعتقد أن الصفتين الأنسب لمحاولة التغيير هذه هما إما “الفاشلة” أو “المجهَضة”، و أعتقد كذلك أن النظر فيها كتجربة جديرة بالدراسة سيوضح لنا إن كانت قد فشلت أو أنها قد أُجهِضت أو أنها اتصفت بالصفتين معا، و عندئذ يحتمل (إن وجدنا القدرة على التمييز بين الزبد و ما ينفع الناس) أن نستفيد من تجربة صنعتها أيدينا.

4. من 12 يناير 1992 إلى 16 سبتمبر 1999: و هذه أخطاء تلت “الانفتاح” السياسي و الاقتصادي. أخطاء جل من ارتكبها لا يزالون على قيد الحياة و منهم من يشغل مناصب قيادية، إضافة إلى أن آثار هذه الحقبة مازالت ملموسة محسوسة.

5. من 17 سبتمبر 1999 إلى اليوم: أما هذه فيجب أن نحسن الظن إلى أبعد الحدود لنقبل بها كأخطاء، لأنها “أخطاء” تجعل الكافر بنظريات المؤامرة يكاد يعلن توبته من كفره هذا.

ثانيا، لا نريد مزايدات بخصوص الوطنية، فكما أشرت أعلاه أصبح كل من يريد نصحا يوسم بالعداء للوطن أو خدمة أجندات أجنبية أو محاولة المساس بالأمن القومي و غيرها من التهم الباطلة التي لا هدف لها سوى التهرب من المسؤولية و المحاسبة و الإصلاح. بالإضافة إلى ذلك فإننا نسمع بين الحين و الآخر مزايدات بخصوص الأقدمية في الانتماء إلى هذا الحزب أو ذاك، و كأن الأقدمية وحدها معيار يقاس به الحرص على خدمة المبادئ أو تقاس به القدرة على إدارة شؤون الحزب أو الوطن، و إن هذا النمط من التفكير قد أثبت عقمه مرة بعد مرة بعد أن أدى إلى تهميش العقول الشابة ذات الأفكار المجدِّدة من الساحة السياسية، كما أنه أبقى على الصراعات الشخصية التي لا طائل منها و التي لا تزيد الوطن إلا تقهقرا.

أما المزايدة بخصوص الانتماء الديني فقد دفعنا ثمنها باهضا، دفعنا ثمنها دماء أهرقت و أرواحا أزهقت وثقة بين أفراد المجتمع اهتزت، و لا شك أن لا أحد يريد نهج هذه السبيل من جديد.

ثالثا، و هذه بالذات مازالت صعبة المنال، أعني أنه ما يزال من الصعب أن يقف المذنبون أمام المحاكم و لكن يجدر بنا على الأقل أن نجرد هؤلاء من أي دور خلال المرحلة الانتقالية، و هذا ليس بإقصاء كما قد يتصور البعض، و لكن العدالة يجب أن تتخذ مجراها بعد أن تعود للمواطن الثقة فيها، صحيح أن المتهم بريء حتى تثبت التهمة و لكنه يظل متهما و هذه هي الصفة التي تجرده من حقه في المشاركة في الخروج بالبلاد من النفق الذي اتهم بالمشاركة في إدخالها إياه، دون أن تجرده من حقه في محاكمة عادلة تجرى في وقت لاحق.

رابعا، لا نريد أي تعصب لفرد مهما كان منصبه و مهما كان “فضله” على الجزائر و الجزائريين، و لا نريد تعصبا لفئة مهما علت درجة ولائنا لها أو انتمائنا إليها، و لا نريد أن نتعصب للأحزاب السياسية بل لندع السجال السياسي لما بعد المرحلة الانتقالية، و لا نريد التعصب لأي من المؤسسات “القائمة” لأنها في الحقيقة تترنح اليوم تحت وطء الأزمة المركبة التي ألمت بالبلاد، و لا نريد التعصب لأي فكر كان لأن في الفكر – أيا كان – صوابا و خطأ.

خامسا، و هذا البند مهم للغاية، فنحن الجزائريين قد خبرنا العنف بكل أشكاله ، اللفظي و الجسدي و ما دون ذلك و ما أعلاه، فاعلين و مفعولا بنا، بل إننا أصبحنا نوسم عند جيراننا القريبين و البعيدين بأننا شعب غضوب، و الحِلم خير، و رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: “ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب” (البخاري 6114).

ثم ماذا؟ ماذا بعد أن اتفقنا على هذه البنود الخمس؟…فهذا موضوع مقالنا القادم إن شاء الله.

About فريق التحرير

فريق تحرير مدونة أصوات .