خواطر الأصوات | محاولة بعث الجبهة الإسلامية للإنقاذ: عودة العابثين بمصير الوطن |

في الجزائر، و على بعد خطوات من الانتخابات التشريعية، و في جو سياسي يسوده الركود و الجمود و الصمت المحير، أصبحنا لا نسمع في الآونة الأخيرة إلا جعجعة المنتسبين إلى الجبهة الإسلامية للإنقاذ من قريب أو بعيد، ذلك الحزب المحظور […]

في الجزائر، و على بعد خطوات من الانتخابات التشريعية، و في جو سياسي يسوده الركود و الجمود و الصمت المحير، أصبحنا لا نسمع في الآونة الأخيرة إلا جعجعة المنتسبين إلى الجبهة الإسلامية للإنقاذ من قريب أو بعيد، ذلك الحزب المحظور الذي رغم أنه اندرس منذ ما يزيد عن عقدين إلا أن المطبلين له و المزمرين يحاولون أن يوهموا الشعب، و قبل ذلك أن يوهموا أنفسهم، أن حزبهم مازال يملك صوتا يسمع و قاعدة شعبية يستند إليها. فما هي خلفيات هذه الحركية؟ و ما هي أهدافها؟

من يعرف تاريخ الجزائر القريب يعلم أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ كانت ضحية لانقلاب أبيض ذات جانفي 1992، و نحن إذ لا ننكر أن حقها هضم بعد فوزها في الدور الأول بفارق بعيد عن منافسيها (رغم ما شاب هذا الفوز من ممارسات لا تليق بحزب يدعي ان مرجعيتها إسلامية)، لا يمكن لنا بحال من الأحوال أن نكون من المدافعين عنها حتى و إن كنا من المدافعين عن الحق منطلقين من مباديء إنصاف المظلوم أيا كان و الوقوف في وجه الظالم المستبد الجائر أيا كان. و لسنا ممن يسوي بين الجلاد و الضحية، و لكننا نقول إنصافا أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ فقدت صفة الضحية عندما اتبعت شيطانها و أسلمت أمرها لسفهائها و تجاهلت صوت الحكمة القادم من داخلها و من خارجها فظلمت نفسها و ظلمت جيلين من أجيال الاستقلال، أو كانت أحد أسباب وقوع الظلم عليهما، و لم تمتثل – و هي التي تدعي نصرة الإسلام و اتخاذه مرجعيها الأسمى- قول الله تعالى: “و لا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى”، فدخلت في حرب خسرت فيها الجزائر و الجزائريون أنفسا و ثروات، و خسرت مبادئ و قيما، و أهدرت وقتا و كفاءات.

الحقيقة أن هذه الحركية المفاجئة، و هذه “الصحوة الإنقاذية الجديدة” ليست إلا سرابا يحسبه الظمآن ماء، فهي ليست وليدة جهد أو عمل هؤلاء الذين يدعون اليوم أنهم أصحاب قضية لم يتنازلوا عنها، كلا، ما هذه الحركية التي نشهدها اليوم إلا ركوب لموجة “الربيع العربي” و انقضاض على فرصة لم يكن هؤلاء يحلمون بها. هذه الفرصة ترتكز على عاملين أساسيين أولهما داخلي و الثاني خارجي، فهؤلاء تذكروا فجأة على إثر هذين العاملين أن لهم قضية ثم تظاهروا بأن دفاعهم عنها يكتسي طابع الاستمرارية، معتقدين أن الشعب ذو ذاكرة قصيرة و أنه سيصدق ادعاءهم.

أما العامل الداخلي فهو قانون الأحزاب الذي صادق عليه نواب المجلس الوطني سنة 2011 و الذي وضع حدا لطموح عودة “الفيس” إلى الساحة السياسية فأثارت السلطة من خلاله حفيظة القيادات السياسية للحزب المحظور الذين رأوا فيه إجحافا و غمطا لحقوقهم المدنية و السياسية، بعد أن استبشر أغلبهم خيرا عند صدور قانون السلم و المصالحة الوطنية المشؤوم و دخلوا فيه زرافات و فرادى، و لا شك أن قانون الأحزاب هو كما رأوه، و لا شك أيضا أنهم أبانوا عن سذاجة سياسية عندما قبلوا ما جاء في ميثاق السلم و المصالحة الوطنية، و لا شك أن المهرولين للدخول تحت مظلته التهموا الطعم لأنهم رأوا فيه نجاتهم من الحساب الشعبي من جهة، و تحقيق مصالح آنية دنيوية من جهة أخرى، فخذلوا.. و ذلك جزاء الطمع و الانتهازية فلا يلومن إلا أنفسهم.

و أما العامل الخارجي فهو الانقلاب الذي تم على الشرعية في مصر و الطريقة التي تم بها عزل الرئيس محمد مرسي، تلك الحادثة التي شبهتها قيادات الفيس باقلاب جانفي 1992، و التي استخدمت سلاحها الإعلامي المتمثل في قناة المغاربية لشحذ همم قد خارت منذ زمن و تذكية نار أصبحت رمادا، و قد تصرفت القناة إزاء ذلك بانتهازية سياسية ساذجة أدت إلى عكس ما كانت تصبو إليه، أدت إلى تمييع قضية مائعة أصلا. و الدليل على هذا الاستثمار/ الرهان الخاسر هو أن هذه القناة و المسحّرةُ أبصارُهم بإفكها أصبحوا يولون اهتماما خاصا لما يتعرض له علي بلحاج من التضييق و القمع و كأن هذا الرجل هو المضيق عليه وحده أو أنه هو وحده من وقع عليه القمع، بينما يغضون الطرف عن الانتهاكات اليومية التي يتعرض لها نشطاء سياسيون و صحفيون، بل قد وصل بهم الأمر إلى الاستهزاء ببعض مظاهر المقاومة للسلطة القائمة لكون المضطهدين لا ينتمون إلى “جنس الجبهة السامي”، فأي نفاق سياسي هذا و أي نفاق اجتماعي و أي نفاق نضالي.

و الواقع أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ، حتى إن كان هناك من يتعاطف معها اليوم، إلا أنها لا تملك القاعدة الشعبية التي تحاول أن توهم الرأي العام الداخلي و الخارجي أنها تملكها، و ذلك راجع لسببين:

السبب الأول، و الذي لا يتعلق بالجبهة مباشرة و لا تمثل فيه استثناء عن القاعدة التي تشمل جميع الأحزاب السياسية، هو كون جزائر 2017 مختلفة اختلافا جذريا عن جزائر 1992، فالشباب الجزائري الذي يشكل الأغلبية الساحقة من المنتخبين، قد عزف اليوم عن السياسة و لم تعد القضايا السياسية تهمه من قريب و لا من بعيد، و هذا محسوس و ملموس. و إن قال قائل إن ذلك راجع إلى انعدام البرنامج السياسي الذي يقدم البديل فهذا يقودنا إلى القول إن هذا الإدعاء لا بد له من دليل، و ما نعتقده هو خلاف ذلك، بل إن أسباب العزوف لم يتم إلى اليوم دراستها دراسة جدية، و يستحيل أن نلخصها في نقطة واحدة بل هي متعددة ليس هذا محل التفصيل فيها.

أما السبب الثاني المتعلق بالجبهة مباشرة فهو ذو شقين:

أولا، كونها من جهة لا تملك نظرة واضحة للخروج من الأزمة متعددة الأبعاد التي تعيشها الجزائر اليوم، و هي، من جهة أخرى، عاجزة تمام العجز عن قراءة المعطيات السياسية على المستوى الإقليمي و العالمي، و ذلك كله راجع إلى كونها مازالت منغمسة في ماض تريد إحياءه بأي طريقة و لكونها مازالت تعتقد أن لها حقا في لعب دور القيادة، و هذه هرطقة سياسية جلية.

ثانيا، كون الجبهة قد انقسمت على نفسها آخر مرة سنة 2014 قبيل الانتخابات الرئاسية حين ساند عدد من قياداتها ترشح رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس مخالفين بذلك ما جاء في بيان وقع عليه رئيس الجبهة عباسي مدني و الذي دعى فيه إلى مقاطعة الانتخابات رأسا. و قد جاء هذا الانقسام بعد انقسامات أخرى طالتها، فلا يخفى على أحد أن قيادات أخرى في الجيش الإسلامي للإنقاذ كانت قد شاركت في مشاورات السلطة حول التعديل الدستوري الأخير، كما لا يخفى على أحد أن قيادات أخرى كانت قد شاركت في ندوة مازافران في جوان 2014، الندوة التي دعت إليها تنسيقة الحريات و الانتقال الديمقراطي التي كانت تطمح إلى جمع شمل المعارضة، قبل أن تنفجر لاحقا و تصبح من الماضي. إضافة إلى ذلك فإن الجبهة انخرطت في المسار الذي دعت إليها جبهة القوى الاشتراكية و الرامية إلى تحقيق ما سمته الوفاق الوطني.

فهذا التخبط الذي يظهر على الجبهة يبين بما لا يدع مجالا للشك أنها عاجزة على جمع شمل قيادتها ناهيك عن جمع شمل قاعدة شعبية تغيرت قناعاتها و تغيرت رؤاها و تغير حتى ميلها إلى الانخراط في العمل و النضال السياسي، و لم يبق منها إلا اولئك الذين يساندون شخصا واحدا هو علي بلحاج. فالادعاء القائل بأن الجبهة مازالت تملك قاعدة شعبية ادعاء باطل لا حجة عليه بل إن الحجة ثابتة على عكسه.

إن هذا التضليل الذي تحاوله الجبهة اليوم لا تهدف من خلاله إلا لصنع هذه القاعدة الشعبية التي تدعي وجودها بينما هي بأمس الحاجة إليها لتُبعث من جديد عن طريق سياسة فرض الأمر الواقع، و ذلك أنها لا تملك عن التضليل بديلا، فالمتتبع للشأن السياسي الجزائري خلال السنوات الأولى للتجربة الديمقراطية المشوهة يعلم أن التضليل و التهويل و الصراخ و العويل كان في صلب استراتيجيات الجبهة أول مرة، و أنها لولا هذه الاستراتيجية اللاأخلاقية ما كانت لتحقق الفوز الذي حققته خلال المسار الانتخابي الذي تمكنت فيه من اكتساح الساحة السياسية. و المتتبع للشأن السياسي الجزائري آنذاك يدرك تمام الإدراك كيف أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ استغلت الإسلام بل و جعلت نفسها مرادفا له و هي تخوض حملاتها الانتخابية، و أنها استغلت تعلق الشعب الجزائري بدينه و استغلت جهل و سذاجة شرائح كبيرة منه فأوهمتها أن التصويت لغير الجبهة كفر و ردة، و هذا في الحقيقة من الأسباب الأخرى التي جعلت قاعدتها الشعبية تنكمش بعد أن رأى منها أولئك المغرر بهم ما لا يمت للإسلام بصلة خاصة حين أصبحت طرفا فعالا في إدخال البلاد في أتون حرب عارضها علماء أجلاء داخل الجزائر و خارجها و نهوا قيادات الجبهة عن الانزلاق في متاهاتها و لكنهم لم يلقوا آذانا صاغية بل وجدوا رجالا استعبدتهم أهواؤهم و طغى عليهم حب السلطة و التسلط، فلم يتورعوا عن إيذاء العلماء الربانيين المعارضين لهم في الداخل و ضيقوا عليهم و مدوا إليهم أيديهم و ألسنتهم بالسوء فضلوا و أضلوا، و لله الأمر من قبل و من بعد.

في الأخير لابد من الإشارة إلى أمرين، أولهما أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ لا تملك قاعدة شعبية و أنها غير قادرة على الرجوع إلى الساحة السياسية اليوم إلا إذا تخلصت من حلمها الزائف و إيديولوجيتها السقيمة و الفكرة التي يحملها أولئك الذين مازالوا يتعاطفون معها التي مفادها أنهم “جنس” أسمى من باقي الجزائريين و أنهم أصحاب حق في قيادة البلاد، هذه النظرة الاستعلائية لن يقبلها الجزائريون بل و سيكونون لها بالمرصاد.

أما الأمر الثاني فهو أن السلطة القائمة في البلاد اليوم سلطة مستبدة لا حق لها في أن تمنع قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ أو غيرهم من ممارسة حقوقهم السياسية و المدنية، و لكن لضمان هذا و ذاك لابد أن تمر الجزائر بمرحلة انتقالية تتحدد من خلالها الشروط و القوانين التي تضمن ألا تجور السلطة و ألا يجور الفيس فكلاهما لا يؤمن جانبه و كلاهما ساهم بقدر في الأزمة التي عاشتها البلاد و في الأزمة التي تعيشها اليوم، و لا بديل عن القانون الصارم الرادع و آليات تطبيقه و آليات مراقبة تطبيقه حتى نستطيع أن نبني على أساسه الثقة في الممارسة السياسية.

About فريق التحرير

فريق تحرير مدونة أصوات .