خواطر الأصوات | … نحن لسنا ممن يسبّقون الخبز على الكرامة |

عنوان المقال مقتبس من كلمة ألقاها الرئيس الراحل هواري بومدين في سنة 1977. تلك جزائر الأمس القريب رغم عيوبها، و أولئك رجال الأمس القريب رغم أخطائهم، لهم أعمالهم و لنا أعمالنا و لا يسأل الأموات منهم عن أعمالنا و لا […]

عنوان المقال مقتبس من كلمة ألقاها الرئيس الراحل هواري بومدين في سنة 1977. تلك جزائر الأمس القريب رغم عيوبها، و أولئك رجال الأمس القريب رغم أخطائهم، لهم أعمالهم و لنا أعمالنا و لا يسأل الأموات منهم عن أعمالنا و لا يسأل الأحياء منا عن أعمالهم. و لكن الأحياء ممن تواجدوا بالقاعة التي قيلت فيها هذه الكلمة.. أولئك الذين صفقوا طويلا حين قال الرئيس قبلها: “سندافع عن حدودنا اليوم كما دافعنا عنها بالأمس”.. أولئك الذين يذبحوننا بصمتهم اليوم و الجزائر على شفا حفرة من النار، يجب أن يجيبوا على سؤال واحد: هل أصبحتم اليوم ممن يسبّقون الخبز على الكرامة؟ هل نقضتم العهد؟ أم مازالت أولوياتكم لم تتغير بعد؟

تعودنا منذ سنوات عجاف على خرق الدستور من طرف القاضي الأول في البلاد، بل و من طرف المجلس الدستوري ذاته، و لأننا في الجزائر أصبحنا لا نبالي إلا “بالخبزة” فكل ذالك جائز لأن الدار لا حارس لها، أما أن يتم خرق مادتين من الدستور تخصان أمن البلاد و سلامة حدودها فهذا ما لا يمكن السكوت عنه، بل إن السكوت أقرب إلى أن يجرّم.

لقد قام الرئيس الجزائري بخرق المادتين 131 و 173 من الدستور عندما اتخذ قرار السماح للطائرات الفرنسية بالتحليق فوق أجوائنا الإقليمية دون أن يوافق البرلمان بغرفتيه، و المجلس الأعلى للأمن على القرار. ثم إن الرئيس اتخذ هذا القرار و هو يعلم أن ضباطا جزائريين مازالوا يفاوضون قيادة جماعة أنصار الدين قصد الوصول إلى حل سلمي للأزمة. إن الأدهى و الأمر هو أن  كل ذلك ستكون له تبعات بدأت بالهجوم على المركب الغازي بتقنتورين و لن تقف عند ذلك الحد، و ما هذا إلا نتتيجة تصرف رئاسي طائش مستبد.

الجزائر بلد لا سياسة فيه، الجزائر بلد الأفراد لا بلد الأفكار، في الجزائر يتصارع الأقوياء على السلطة و النفوذ و المال، أما القانون فلا يحيا إلا بين الضعفاء، و لا يختص إلا بالجرائم العادية و مخالفات المرور، ثم إن كل ما يفعله القانون عندنا هو ترصد الخطأ لإلحاق العقاب، أي أنه لا يضمن الحقوق بل يتركها رهينة للقوة، و لا يراقب القيام بالواجبات بل و يعرقله إن كان فيه صلاح.

في الجزائر تدور رحى أقوى الصراعات.. في الكواليس.. بين أقوى أجهزة المؤسسة العسكرية من جهة و مؤسسة الرئاسة من جهة أخرى، و لكل منهما أوراق ضغط تهدد بها الطرف الآخر لتجبره على التزام الصمت. فأجهزة المخابرات تحكم قبضتها على ملفات الفساد التي تدعي تورط الرئيس و شقيقه ( السعيد بوتفليقة) و بعض من السياسيين و رجال الأعمال فيها، و المؤسسة الرئاسية تلوح باستخدام ورقة “من يقتل من؟” القديمة الجديدة التي يمكن أن تفضح تورط بعض القادة العسكريين في قضايا الإرهاب و الاتجار بالمخدرات. و بين الطرفين قاسم مشترك هو نهب الثروات الطبيعية للبلاد و تسييرها كأملاك خاصة كانوا يتداولونها على فترات مختلفة ثم اتفقوا على اقتسام ريعها حين ارتفع ثمنها لمعدلات خيالية أسالت لعاب جميع من لا يفوت فرصة الثراء الفاحش السريع. أما الشعب فنعلم يقينا أنه ما دام على ما هو عليه من سلبية و تشتت سيكون الضحية في أي مواجهة مع النظام ذي الرأسين و سيكون وسيلة لا غير، يستعملها أحد الطرفين للقضاء على الآخر.

لهذه الأسباب جميعا فإننا بعد خمسين سنة من الاستقلال لازلنا بحاجة ماسّة إلى جيل الثورة، نعم. نحتاجهم لأن المرحلة لا تتطلب الكفاءة بقدر ما تتطلب المعرفة بالخبايا المتعلقة مباشرة بالأفراد، لأن الصراعات القائمة ليست إلا صراعات شخصية لا علاقة لها بالسياسة لا من قريب و لا من بعيد، و لكنها هذه المرة وصلت حد التلاعب بمصير و كرامة أجيال من الجزائريين. فإن كانت أولويات جيل الثورة لم تتغير بعد، فعليهم أن يعلموا أن على عاتق من بقي حيا منهم، خاصة أولئك الذين تبوؤوا مناصب مرموقة في مؤسسات الدولة، مسؤولية تاريخية تتلخص في أنهم يجب أن يتقدموا الصفوف، صفوف الجزائريين الأحرار الذين يتخبطون في متاهات بحثا عن التغيير الحقيقي الذي يخرج بالبلاد من دائرة الضبابية إلى شفافية تضمن احترام القانون و الدستور و تعاقب المعتدين عليهما مهما بلغوا من المراتب و مهما تبوؤوا من المناصب. عليهم أن يصنعوا من جيل الاستقلال جيل ثورة جديدة، يؤطرونه و هم مؤمنون و واثقون من قدرته على النهوض بالأمة الجزائرية من غفوتها و العودة بها إلى مبادئها الأصيلة التي تصون هويتها و تصون مؤسساتها و مصالحها، و تعيد لها كرامتها التي بيعت بالبيترودولار لأعداء الأمس و آخرين من دونهم لا نعلمهم.

و لكم و للجزائر مني السلام.

About فريق التحرير

فريق تحرير مدونة أصوات .