خواطر الأصوات | … و لكنّكم قتلتم جدّي يا هولاند! |

أولا ، أريد أن أوضّح نقطة حتى لا يساء فهمي: لا أريد اعتذارا من فرنسا، فالمغلوب لا يعتذر من الغالب عقلا و منطقا. نحن شعب استرجع ما له -بفضل الله- بنور في البصيرة و بحد السيف و دوي البارود و […]

أولا ، أريد أن أوضّح نقطة حتى لا يساء فهمي: لا أريد اعتذارا من فرنسا، فالمغلوب لا يعتذر من الغالب عقلا و منطقا. نحن شعب استرجع ما له -بفضل الله- بنور في البصيرة و بحد السيف و دوي البارود و تضحيات خيرة مَن أنجب مِن الرجال و النساء على حد سواء، و لم يطلب الجلوس إلى طاولة التفاوض بل أَجبر العدوَّ على الجلوس إليها حين أدرك العدوُّ أنه مهزوم لا محالة.

زيارة فرانسوا هولاند إلى الجزائر هي أول زيارة دولة يقوم بها منذ انتخابه رئيسا للجمهورية الفرنسية، و في العرف السياسي يعد هذا مؤشرا مهما على مكانة الدولة التي زارها في سياسة بلاده الخارجية، طبعا بمفهوم المصلحة لا بالمفهوم الرومانسي الذي يراد رسمه في خيال الجزائري، سواء عن طريق وسائل الإعلام الفرنسية أو الحكومية الجزائرية، أو من خلال أجوبة السيد هولاند على أسئلة الإعلاميين في الندوة الصحفية التي عقدها عشية وصوله إلى الجزائر.

الرئيس الفرنسي لم يكفّ عن القول إنه لم يأت إلى الجزائر ليعلن “توبة” فرنسا عما اقترفته من جرائم لمدة مائة و اثنين و ثلاثين عاما من الاحتلال الاستيطاني، و لكنه جاء ليقول “الحقيقة”، و أنه حل بالجزائر في الذكرى الخمسين لاستقلالها ليعلن بداية “عهد جديد” من العلاقات بين الدولتين يرى المناسبة خير توقيت له، جاء لينظر إلى “المستقبل” لا إلى الماضي، و ليبدأ مع نظيره الجزائري “بناء بيت جديد” على حد تعبيره. كلام معسول جميل وددت لو كان بوسعي أن أصدّقه.. و لكنّكم قتلتم جدّي يا هولاند! …

أما “التوبة” فأراها قضية فرنسية داخلية لا دخل لنا كجزائريين فيها، فهي لن تكون إلا بصحوة ضمير شعب يعتز بشعار ثورته: وحدة، مساواة، أخوة، و بانتمائه لدولة تدعي الريادة و الأستاذية في مجال الحريات و حقوق الإنسان.

أما “الحقيقة” فهي ليست أن فرنسا ارتكبت مجازر في الجزائر فحسب، الحقيقة أنكم لجأتم إلينا – كما تفعلون اليوم- و الجوع يعتصركم، فأطعمناكم بيد بيضاء عضتها أنيابكم لما اشتدت سواعدكم بصلب قمحنا. الحقيقة يا ابن الجار أن آباءك و أجدادك حاولوا اجتثاث جذورنا من أرضنا. الحقيقة أنهم أرادوا أن يفسدوا أخلاقنا و عقيدتنا لولا أن تداركنا الله برحمة من لدنه تمثلت في رائد نهضتنا و محيي أمتنا الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس و ثلة من أصدقائه و تلاميذه الذين جابوا البلاد يعلّمون العباد مما علّمهم الله و يكابدون في سبيل ذلك الويل. الحقيقة، إن كنت تريد الحقيقة، هي أننا حاربنا أعداءكم و دحرناهم ثم استرخصتم دماءنا و خنتم العهد بيننا. الحقيقة أنكم أحرقتم أرضنا أخضرها و يابسها، و قتلتم أنعامنا و إبلنا و نوقنا. الحقيقة أنكم لازلتم هنا بيننا، تعيشون في أورامنا السرطانية، في آلامنا و عاهاتنا و أطرافنا المبتورة. الحقيقة أنكم نفثتم فينا سمّكم فهو يسري في عروقنا و يقطّع أوصالنا.

أما عن “العهد الجديد” و “المستقبل”، فدعني أقول لك: تريث! تريد طيّ صفحة الماضي؟ تريث! تريث حتى نكمل كتابة  الفصول جميعا، فأنا لا أريد أن يشهد التاريخ أني اغتلته يوما أو شاركت في اغتياله. تريث يا حفيد الغوليين، فأنتم حتى بعد مرور مائة عام من دخولكم أرضنا لم تفكروا مجرد التفكير في “عهد جديد”، بل و احتفلتم بذكرى مرور القرن على وفائكم “للعهد القديم” في بلاد القرآن، فكيف تريد لنا أن نبدأه بعد خمسين عام من خروجكم؟! أمهلونا كما تمهّلتم! فأنا أريد أن أصدّق نواياكم .. و لكنّكم قتلتم جدّي يا هولاند!

و تريد “بناء بيت جديد”! فحاول أن تقنع بذلك أولئك الذين أُخرجوا من بيوتهم “القديمة” لأنها سكنات وظيفية للسفارة الفرنسية في الجزائر.. زعموا! ثم حاول أن تقنع أولئك الفرنسيين ذوي الأصول الجزائرية الذين يعيشون في “الغيتوهات” على تخوم باريس  و ليون و مرسيليا و غيرها من المدن الفرنسية التي لا أعرف لها اسما، ثم أجبني عن هذا البيت الجديد الذي سنبنيه، هل سنعيش فيه معا أم أننا سنضطر للمبيت في العراء دونكم؟ فأنا لا أعتقد أني أستطيع أن أشعر بالأمن حين أنام في بيت واحد معكم .. فقد قتلتم جدّي من قبل يا هولاند!

كنت أريد – حين أمسكت قلمي – أن أكتب عن الوفد المرافق لك و “أهميته”، كنت أريد أن أتحدث عن نواياكم “النبيلة” في الاستثمار في بلادنا و مساعدتكم لنا في دفع عجلة تقدمنا، كنت أنوي أن أكتب عن إعجابي بشجاعتكم أن قررتم “أخيرا” أن تقدموا لنا يد العون في بناء مصنع ينتج سياراتكم على أرضنا. كنت أود أن أتعرض لزيارتك لبلدنا بالتحليل السياسي  كما يفعل زملائي و أساتذتي كل حسب مشربه و كل حسب مذهبه، فأكتب عن الأزمة في مالي التي تريدون زج جيشنا في مستنقعها، أو عن المحنة في الصحراء الغربية التي تفرقون بها بيننا و بين أشقاء يعيشون عن يسارنا، أو عن الاقتتال على السلطة في ليبيا الذي صنعتموه بأيديكم، كنت أنوي أن أكتب عن أي ملف “تتفق” فيه مواقفنا أو تكاد .. و لكنّكم قتلتم جدّي يا هولاند!

About فريق التحرير

فريق تحرير مدونة أصوات .