خواطر الأصوات | نهيت عن الصلاة باسم الجمهورية |

هذه قصة طريفة مضحكة مبكية تبعث على التفاؤل و تزرع في النفس بذور أمل عنيد في وطن مزقته أفكار دخيلة و جهل مركب شر ممزق، فاختلط الحابل بالنابل و ضاعت بينهما هوية كانت إلى وقت قريب أغلى ما يمكن لجزائري […]

هذه قصة طريفة مضحكة مبكية تبعث على التفاؤل و تزرع في النفس بذور أمل عنيد في وطن مزقته أفكار دخيلة و جهل مركب شر ممزق، فاختلط الحابل بالنابل و ضاعت بينهما هوية كانت إلى وقت قريب أغلى ما يمكن لجزائري أن يبذل من أجله نفسه  و ماله.

كلما مررت بالطريق الرابط بين قسنطينة و الجزائر العاصمة قلت في نفسي : حتى لو لم يكن لنا دين شرع لنا القتال و حدد لنا أوقاته و طريقة خوض غماره لوجب علينا القتال إن أراد مريد أن يأخذ منا تلك الجبال التي كانت فعلا قلاع أسيادنا من المجاهدين  و الشهداء الذين أرادوا لنا أن نمر يوما بين هذه القمم الشامخات الشاهقات شاعرين بصفاتها شعورا لا يخالطه غير الشعور بالذل لمن جعلها للأرض أوتادا.

في طريقي من قسنطينة إلى الجزائر فوجئت بسيارة درك متوقفة و لكن في الاتجاه المعاكس لاتجاه السير، كانت في الرواق الأيسر،  و في رواق الوقوف الاضطراري توقفت سيارتان مدنيتان على متنهما رجال شرطة، و كنا قبل بضع دقائق قد مررنا بترسانة شرطة بدى و كأنها متوجهة إلى مكان انطلقت به “أعمال شغب”. على قارعة الطريق كان هناك بعض رجال الدرك و رجال بزي مدني أوقفونا و أغلقوا الطريق في وجهنا بعد مرور الركب الكريم و أشاروا إلينا أن نسلك الطريق الوطني و أن رحلتنا على الطريق السيار قد انتهت. حدث هذا على مستوى بلدية “العجيبة”. بعد ساعتين من الفوضى المرورية التي تفوق كل خيال وصلنا إلى مشارف مدينة البويرة و أمكننا بذلك أن نستأنف الرحلة على “مشروع القرن”.

كانت الساعة تشير إلى خمس و أربعين دقيقة بعد الثالثة زوالا، ركنت السيارة في رواق الوقوف الاضطراري أقصى اليمين، صليت و زوجتي الظهر و العصر جمعا، و لما هممت بالتحرك صوب العاصمة لمحت سيارتي درك أشار إلي قائد أولاهما بالتوقف.

أوقفت السيارة، و توقفت إحدى السيارتين من بين أيدينا  و الأخرى من خلفنا. خرج من الأولى دركيان يحملان أسلحتهما، لاحظت على وجه الدركي الذي خرج أخيرا ابتسامة قرأت فيها شيئا من قبيل   “وقوفنا هذا مضيعة للوقت…” أما الذي نزل أولا فاتجه صوبي، حياني عند وصوله بتحية الإسلام فرددت بأحسن منها، طلب وثائق السيارة فأعطيته إياها، ثم سألني: لم توقفت؟

قلت: توقفت من أجل تأدية الصلاة.

قال: إن هذا المكان مخصص للوقوف الضروري.

صعقت. قلت: أليست الصلاة ضرورة؟

قال: لست في إيران.

صعقت ثانية و قلت: “أ” ؟ (“أ” في الجزائر تعني “نعم؟” بتعجب، كما تعني “ماذا؟” بتذمر، و تعني أيضا “هكذا إذا؟” بتهكم، و كنت أقصد كل ذلك في آن واحد.)

قال: هذه ليست الجمهورية الإسلامية الإيرانية، هذه الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

قلت في نفسي: وا ابن باديساه، و قلت: دستور الجزائر ينص في مادته الثانية على أن الإسلام دين الدولة.

قال: إن الصلاة ليست ضرورة حتى أن الجنود لا يؤدون الصلاة في زمن الحرب.

قلت في نفسي: ” و قال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا” ( الفرقان: 30) (و يبدو أن هذا الدركي قد ركب موجة التَّفيقُه ، سمة أصبحت منذ مدة تجرّ الكثيرين منّا للخوض في فنون لا يملكون عنها إلا معرفة سطحية، فلا يحسنون الخوض فيها و لا هم يحسنون اختيار وقت الخوض فيها. حقا أصاب من قال: من تكلم في غير فنه جاء بالعَجَب العُجاب.)

قلت له: إن هذا تصور خاطيء و إن الجنود يؤدون الصلاة أثناء الحرب تناوبا خلف إمامهم بالكيفية التي حددها لهم الله في آية صريحة من آيات القرآن الكريم، ثم إن الصلاة هي الركن الذي لا يسقط التكليف به لأي سبب كان.

قال: بالأمس سرقت سيارة في هذا المكان.

قلت في نفسي: ما لهذا الرجل لا يكاد يفقه قولا!؟ أتخوفني؟!! يفترض أن تشعرني بالأمن و الثقة في أجهزة الأمن.

قال: إنك تعرض زوجتك و ابنتك للخطر إذ توقفت هنا للصلاة و أضاف أن وقوفي كان مخالفة تستوجب سحب رخصة سياقتي (و لكن لطيب قلبه لم يفعل، فالقانون عندنا يخضع لهوى و مزاج … أقصد أن السلطة التقديرية تبقى للدركي).

أعطاني وثائقي بأدب و ودعني بأدب. قلت في نفسي: “أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى” (العلق: 9-10) فابتأست لحال وطني. ثم تذكرت أن الله تعالى يقول في السورة ذاتها ” كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية” (العلق: 15) فأحسست جرعة أمل تطفيء بداخلي شرارة غضب كاد يعصف بي و تنفخ نفسا جديدا لثورة في صدري مازالت جمارها تقاوم رمادا تراكم عليها ..  بصبر جميل.

About فريق التحرير

فريق تحرير مدونة أصوات .