صدى التاريخ | أحقا حان دور المبذرين و المتسللين؟ |

نشر هذا المقال أول مرة على صفحات العدد 126 من مجلة الجيش الصادرة في شعر شعبان 1394 الموافق لشهر سبتمبر1974. كاتبه، فضيلة الشيخ عمار مطاطله، أحد الرجال الذين تتلمذوا على يد رائد النهضة الإسلامية في الجزائر، بل في المغرب العربي […]

نشر هذا المقال أول مرة على صفحات العدد 126 من مجلة الجيش الصادرة في شعر شعبان 1394 الموافق لشهر سبتمبر1974. كاتبه، فضيلة الشيخ عمار مطاطله، أحد الرجال الذين تتلمذوا على يد رائد النهضة الإسلامية في الجزائر، بل في المغرب العربي جميعا، الإمام العلامة عبد الحميد بن باديس. تعلّم و علّم و عمل و جاهد مخلصا الدين لله، نحسبه كذلك و لا نزكي على الله أحدا. و انشغل – مثل معلّمه – بصنع الرجال عن تأليف الكتب.

استمر يكتب على صفحات جريدة البصائر (الجديدة) مقالات تقطر حكمة، بروح يُستَشَفُّ فيها حزم و شفقةُ أبٍ رؤوف حريص على الأبناء، و لم يتوقف عن الكتابة إلا و هو ابن تسعين سنة. يبلغ اليوم قرابة 98 سنة و لم يفقد شيئا من حزمه أو رأفته و لا يزال يحتفظ بجوهر علمه و هي صفات يدرك كل من عرفه أو تتلمذ على يده أنها لم تبارحه يوما. بارك الله في عمر شيخنا و أحسن إليه و متعه بالعافية في الدنيا و الآخرة.

و لقد رأينا أن ننشر هذا المقال اليوم لأن الظاهرتين بل الداهيتين – كما سماهما فضيلة الشيخ – قد تجسدتا معا في أعلى هرم السلطة الجزائري و لله الأمر من قبل و من بعد.


في جولة الرئيس التفقدية التي قام بها للقطاع الشرقي من بلادنا، و في حديثه التاريخي الجامع الذي ألقاه في إطارات الحزب بهذه المقاطعة، في هذا الحديث تكلم الرئيس بصراحة و صدق لهجته، ووضوح قصده كما عهد ذلك فيه من قبل و من بعد، إلا أنه في هذه المرة ركز على نقطتين هامتين، ما فتئ المواطنون يمتعضون منهما، و يتألمون لهما حتى كاد أن يستولي عليهم اليأس من أن يروا إصلاحا لهما، أولاهما :  الذين يتصرفون فيها بغير حساب، و ينفقون من غير اعتدال، يتيهون عجبا و كبرياء، بما يبذرونه من تلك الأموال في التفنن في السيارات الفخمة، و التجهيزات الفخمة، و الأسفار البعيدة و القريبة، و ما يصحب هذه الأسفار من؟…

هذه الطائفة الطفيلية، التي تعبث بأموال البلاد و تبذرها يمينا و شمالا، و تعيث في الأرض تخريبا و إفسادا، يبدو أنه قد حان وقت وضع حد لها، بل يبدو أنه آن الأوان ليقال لهؤلاء: لم تتصرفون هكذا و من أين لكم هذا؟ و ليضرب على أيديهم بمقامع من حديد، فقد عودنا الرئيس الجدية و الصدق في القول و العمل، و لهجته هذه المرة تدل بما لا يدع مجالا للشك على أن ساعة الحساب قد دقت، و إن العدالة التي هي من مستلزمات الاشتراكية التي ارتضيناها نظاما لنا لتقتضي ذلك، و تتطلبه بإلحاح.

أما ثانية النقطتين، بل داهية الداهيتين اللتين ركز عليهما الرئيس في خطابه، فهي جد هامة، بل تفوق في أهميتها نقطة التبذير، تلكم قضية المتسللين، و ما أدراك ما المتسللون، سبقوا المتقدمين و المتأخرين، و احتلوا المناصب في كثير من الميادين، و أصبحوا الآمرين. تسلحوا بالنفاق، و برعوا في التفنن في أساليب التزييف و التزلف حتى يتمكنوا من الجلوس إلى جانب المناضلين الحقيقيين في المحافل كي يظهروا للعامة بأنهم من المقربين، و يوهموهم بأنهم على عرش السيادة جالسون، و أن على من أراد قضاء حاجته أن يدين لهم بالطاعة   و الولاء، يرجع إليهم في كل ملمة تلم به، و هذا أيها القارئ الكريم كما ترى ليس بالامتصاص للأموال فقط، و لكنه الامتصاص للمعنويات أيضا.

قلت إن قضية المتسللين قد تكون أهم من قضية المبذرين، لأن أولئك يفسدون المبادئ و يخربون الضمائر، فالمناضلون الذين عاشوا الثورة، و تجرعوا مرارتها، و لفحهم لهيبها يصابون بنكسة عندما يجدون أنفسهم أمام هؤلاء، و هم يعرفونهم، بل يجدونهم يتحدثون باسمهم من دون حياء و لا خجل و يتطاولون بعض الأحيان على الثورة و الثوار بدل أن يحمدوا الله على أن الثورة طوت صفحات الماضي الأسود لهم .. و أصبح همهم تزييف الحقائق وقد ضللوا كثيرا من الناس على مستوى لا بأس به ..

أما المواطنون العاديون، فبطول المدة، و هم ينظرون إلى تصرف هؤلاء المنتهزين دونما رادع أو زاجر .. يساء الظن، و تضعف الثقة بأنفسهم و تتلاشى المعنويات، و تخور العزائم، و تسود نتيجة لهذا كله روح الإهمال و اللامبالاة كرد فعل سلبي، و بذلك يكون هؤلاء المتسللون قد ضربوا عصافير بحجر واحد ، فبالنسبة لهم قد جعلوا الناس، أو على الأقل الدهماء منهم – و ما أكثرهم – يعتقدون أنهم استطاعوا شراء وطنيتهم و لذا فلا مناص من مجاملتهم، و التظاهر بالانقياد إليهم حتى لا تضيع مصالحهم، و كم سمعنا من كثير من المواطنين قولهم : (( مادام المسؤولين سلطوهم علينا حنا نطيعوهم باش نقضوا حوايجنا )) ….

هذا و لعل من المفيد أن نتساءل متى كان هذا التسلل و كيف؟ و الجواب هو أن فرصة التسلل أتيحت أكثر من مرة: الأولى كانت في مطلع الاستقلال بل في غمرة الاستقلال، و ما أحاط بإعلان الاستقلال مباشرة من اضطراب صنعه بعض الناس بسبب ما أحدثته فرنسا من تخريب شامل في البلاد إبان خروجها من جهة و ما أحدثه التطاحن على السلطة من جهة ثانية آنذاك..

و في خضم هذه الفتن اندس هؤلاء المتسللون بين الصفوف، و اتجهوا إلى النازلين من الجبال، و القادمين من الحدود، يستقبلونهم بإرسال دموع التماسيح على الخدود من ناحية، و بالإكرامات المسمومة من ناحية أخرى، و غالبا ما كان هؤلاء يغيرون مكان إقامتهم حتى لا يعرفوا، و المدن الكبرى أصلح لهذا، لاسيما العاصمة فهي المرتع الخصب للمندسين.

و أول هدف لهؤلاء بعد أن يتم الاتصال و ينفد السحر، هو الحصول على شهادة نضال مزيفة تثبت للشخص الذي كان قضى سبع سنوات يجمع ما يتساقط من فتات الخبز بين أرجل الجلادين، تثبت أنه كان (مسبلا) سنوات الثورة كلها أو فدائيا أو حتى مجاهدا، أو معطوب حرب، إذا كانت رجله قد قطعت بسبب صدمة سيارة مثلا..

و إذا كان المناضلون الذين عاشوا الثورة، و عانوا منها، غير جادين يومئذ في البحث عن هذه الشهادات و لا مهتمين بها، فإن أولئك بالعكس، كانوا يبذلون كل غال و رخيص في سبيل الحصول عليها، و بعد الحصول عليها، توضع في المحفظة بحيث لا تفارقها، و المحفظة لا تفارق اليد، و في كل المجالس يستظهرون بها، حتى  يعلم الناس أنهم أعضاء في جبهة التحرير، أو جيش التحرير، و السيارة طبعا موجودة، فمن تركناهم قبل الثورة لا يملكون حذاء غير ممزق، وجدناهم في نهايتها يركبون سيارات ضخمة – و كيف لا، ( و مشروع قسنطينة)، و ( لالواكادر) أليس فيهما البركة؟ – و بواسطة هذه السيارات يسهل التنقل، و الشهادات تستظهر لدى كل مسؤول، حتى يؤمن الجميع بصدقهم، و مشاركتهم الفعالة في حرب التحرير. كانت هذه الفرصة الكبرى في سنة 1962-1963.

و طبعا المتسللون بعد عدة سنوات من الاستقلال عرفوا الطريق، و اكتسبوا مزيدا من الخبرات مكنتهم من المناصب، و من تكوين علاقات صداقة لدى بعض ذوي النفوس الطيبة، فهم لم يعجزوا عن الحصول على شهادة ثانية، أو إعادة التسلل مرة ثانية و ثالثة، فمثلا الشخص الذي كان قد حصل على شهادة من لجنة تلمسان، أو قسنطينة أو وهران، لأنه كان قد استغفل الجماعة التي كانت هناك يومئذ، لما عاد هذه المرة وجد الجماعة قد تغيرت، و أصبح فيها من يعرف ماضيه – و الدنيا فاقت …، يعود في التو، فيحول وجهته إلى العواصم الكبرى حيث هنالك جماعة من مكاسبه الجديدة، التي كان قد ادخرها للملمات في فترة الغفلة، و طبعا كان قد حدثهم آلاف المرات عن نضاله، و الأدوار الهامة التي لعبها في الثورة، و كيف كان يضحك حتى على السلطات الفرنسية نفسها، و على الضباط الذين كانوا يسيرون الحرب في الجزائر ضد الثورة، كما أنه رغم جهله و صعلكته فإنه يحيي العلم المثلث كل صباح، و كل مساء، دون أن تمس وطنيته بسوء …

و بهذا الأسلوب السخيف، يتمكن من خداع جماعة أخرى، فيشهدون له عن حسن نية أو تحت تأثيرات خاصة بأنه كان مناضلا في الثورة التحريرية، و ركن هذه المرة في منطقة الجزائر، و ليس في منطقة تلمسان، أو قسنطينة، أو وهران، و بذلك يصبح المناضل (الفانطوم)، و يحصل على شهادة نضال ثانية، يضمها إلى الأولى، و الآن عليه أن يسرع للانخراط في المنظمات الوطنية، و عليه أن يظهر نشاطا أكثر من اللزوم بحيث يلفت إليه أنظار المسؤولين، حتى يضعوا كامل الثقة فيه، و بعد أن يتأكد أن قدمه قد رسخت، يبدأ بتنفيذ برنامجه الذي يهدف أولا إلى استغلال نفوذه لفرض شخصيته المهلهلة على الدهماء، ثم لا يفتأ يتعلق حتى ينتزع وعدا بترشيحه لأي انتخاب يظهر، و هذه تعتبر عنده خطوة رئيسية إذ بذلك يصبح صاحب السلطان على سكان الحي، و عليه أن يبدأ باستغلال البسطاء و الطماعين في حيه أو دائرته، ليجعل منهم صنائع يوم الانتخاب، و يأتي موعد الانتخاب فيقسم عملاءه إلى فئتين: فئة يخصصها لحث المواطنين و استغلال الأميين و الأميات – و ما أكثرهم- على التصويت لصالحه. أما الفئة الثانية فهي خفاشية لا تتحرك إلا في الظلام، وبذلك يضمن الفوز المحقق في كل انتخاب يرشح له، و طبعا هو يرشح لكل انتخاب.

هذه بعض الأساليب التي استعملها هؤلاء المتسللون، و يعلم الله ما هي الأهداف التالية التي لا بد أنهم خططوا لها بعد أن حققوا أهدافهم الأولى للتسلل و تلك بعض الأهداف التي يرمى إليها.

هذه إشارة إلى بعض المسرحيات المزرية… و تلك نماذج من صفات لأولئك المتقاعسين عن الثورة، المثبطين، و المتخاذلين، بله المعاكسين لها الذين انفسح صدر الثورة للعفو عنهم بعد تحقيق الانتصار، فإذا هم – تدريجيا – يتقمصون شخصية المناضلين و يرتقون تحت جنح الظلام و إذا هم ليتحولوا إلى سرطان في جسم الثورة.

إن هذه النماذج من البشر لا يخلو منها زمان ولا مكان، و لا تسلم منها أية ثورة، و إمامهم عبد الله بن سبا معروف أمره في التاريخ بفتنه، و خبثه و كيده للإسلام و المسلمين، و نشر الفتن بين صفوفهم، كل ذلك باسم الإسلام. فعلى المناضلين أن ينتبهوا لهؤلاء السبئيين المندسين بين الصفوف، و عليهم أن يفضحوا مكائدهم و مكرهم، بصدق و شجاعة و أمانة، و بذلك يكونون قد أدوا واجب النصيحة لأولي الأمر حين يدلونهم على عناصر الفساد و الاستغلال المنبثة داخل الصفوف، كما يكونون قد برؤوا ذمتهم كمناضلين مسؤولين عن حماية الثورة و مبادئها، و أسهموا في تطهير الصفوف من أفتك الأوبئة الاجتماعية الممثلة في هؤلاء الدخلاء الذين يرمون إلى تمييع الثورة، وصدها عن أهدافها التي رسمتها لها انتفاضة الفاتح نوفمبر سنة 1954 العظيمة.

About فريق التحرير

فريق تحرير مدونة أصوات .