صدى التاريخ | عبد الوهاب المسيري حول الخصوصية الحضارية و التغيير |

“[..] و تأمل هذه الدراسة أن تكون جزأ من اتجاه فكري جديد في الحضارة العربية و الإسلامية الحديثة بدأت تظهر معالمه في أواخر الأربعينيات و بدأ في التبلور مؤخرا ، و هو الاتجاه نحو الإسهام في الحضارة البشرية من خلال […]

“[..] و تأمل هذه الدراسة أن تكون جزأ من اتجاه فكري جديد في الحضارة العربية و الإسلامية الحديثة بدأت تظهر معالمه في أواخر الأربعينيات و بدأ في التبلور مؤخرا ، و هو الاتجاه نحو الإسهام في الحضارة البشرية من خلال الانطلاق من الخصوصية الحضارية و المعرفية ، العربية الإسلامية . و نحن نذهب إلى أن المشروع الحضاري العربي الإسلامي دخل طريقا مسدودا من البداية حين عرف هدفه بأنة “اللحاق بالغرب”. فهذا الشعار كان يعني أن يصبح “الآخر” هو الغاية و أن نصبح نحن الوسيلة فنتحول إلى بشر من الدرجة الثالثة في معظم الأحوال و من الدرجة الثانية في أحسنها (لأن من يصل إلى الدرجة الأولى ينضم “إليهم” بطبيعة الحال). و في محاولة تحقيق هدف اللحاق هذا كان علينا أن نسكت إبداعنا و نسقط قيمنا و نمحو ذاتيتنا و رؤانا بحلوها و مرها ، لنتقبل ذاتيتهم و رؤاهم بحلوها و مرها . و تحت شعار الموضوعية أصبحت مهمتنا نقل كل ما يأتي لنا من الغرب ، خصوصا “آخر صيحة”، ابتداء بالمدارس الفلسفية و انتهاء بالسيرات و الأزياء. و بذلك سقطنا في شكل من أشكال السلفية الغربية التقدمية و وقعنا ضحية إمبرالية المقولات ، أي تبني مقولات الآخر التحليلية ثم نراكم المعرفة ، و ننظر للعالم ، بل و لأنفسنا ، من خلالها .>

و قد أصا ب هذا الوضع الإبداع العربي في مقتل ، و بدأ فرز الأجيال من خلال معيار اللحاق هذا ، فمن أظهر مقدرة على الركض و الهرولة نحو الغرب وصل إلى القمة و انضم إلى النخبة و صناع القرار ، و تم تهميش كل من أصابه القلق و بدأ يجتهد و يتعثر (فطريق الإباع طريق وعر و ليس سهلا أو معبدا مثل طريق “النقل” السريع). و ظهر ما يسمى “جيل الرواد” الذي جعل همه أن ينقل دون أن يبدع أو ينتقد . فظهرت العديد من الدراسات (تواريخ فلسفة – تواريخ فنون – تلخيص للنظريات الاقتصادية و السياسية – تواريخ العالم) هي في  . واقع الأمر رؤى الآخر تم وضعها بلغة عربية فصيحة أو ركيكة و تم توثيقها بعشرات المراجع ، التي لا مرجعية لها ، في واقع الأمر ، سوى الرؤية المعرفية و الحضارية الغربية . و يظن الكثيرون الآن أن أي كلام موثق هو “تأليف”، بينما هو في واقع الأمر مجرد رص . و ثمة فارق شاسع بين الرص و الرصانة ، و بين التحديق و التحليق ، كما يقول العبقري جمال حمدان ، الذي لم يركض قط إلا نحو خصوصيتنا و لم يهرول قط إلا نحو الحقيقة . و لحسن حظنا كان بعض هؤلاء الرواد يشعر أحيانا بالقلق فيجرب و يبدع و ينقد و يفكك و يركب . و لكن النموذج السائد (بين كل الليبراليين و معظم الماركسيين و الإسلاميين) ظل مع هذا هو اللحاق بالغرب .

و قد قال جارودي ، المفكر الفرنسي المسلم ، إن المشروع الاشتراكي قد لقي حتفه حينما أعلن خروشوف أن هدف العالم الإشتراكي هو اللحاق بالعالم الرأسمالي و تحقيق المعدلات الاستهلاكة نفسها . و كلمات جارودي تنطبق علينا بشكل أكثر قسوة ، فنحن لم “ننحدر” نحو هذه الهوة ، و إنما بدأنا منها و لا حول ولا قوة إلا بالله ! و لتكن هذه الدراسة دعوة إلى الأجيال الشابة ألا تلحق بأحد و ألا تسير في ركاب أحد و ألا تهرول نحو أحد و أن تنفض عنها غبار الهزيمة و وهم الموضوعية المتلقية المنكسرة و أن ترفع لواء النصر و الموضوعية الاجتهادية ، حتى يمكن أن نعود للإبداع ، و الإسهام في تراث البشرية .”

من كتاب الصهيونية و النازية و نهاية التاريخ (ص١٧) للمرحوم د. عبد الوهاب المسيري

About فريق التحرير

فريق تحرير مدونة أصوات .