صدى التاريخ | لمن أعيش؟ |

في ذكرى وفاة الشيخ العلامة رائد النهضة العلمية و الإصلاحية الجزائرية ، الشيخ عبد الحميد ابن باديس ، تقدم مجلة أصوات لقراءها ملخص محاضرة ألقاها الشيخ في إجتماع أعضاء جمعية التربية و التعليم الإسلامية بقسنطينة المنعقد يوم 25 ديسمبر 1936 […]

في ذكرى وفاة الشيخ العلامة رائد النهضة العلمية و الإصلاحية الجزائرية ، الشيخ عبد الحميد ابن باديس ، تقدم مجلة أصوات لقراءها ملخص محاضرة ألقاها الشيخ في إجتماع أعضاء جمعية التربية و التعليم الإسلامية بقسنطينة المنعقد يوم 25 ديسمبر 1936 .

أيها الإخوة ،

ينبغي لكل قوم جمعهم عمل ان يفهم بعضهم بعضا ، كما ينبغي ان يفهموا العمل الذي هم متعاونون عليه ، ليكونوا في سيرهم على بصيرة من انفسهم و عملهم ، فقد يجتمع قوم على عمل مع اختلاف منازعهم فيأخذ كل واحد ليجذب الى ناحية ، فتقع الخصومة ما بينهم ، و ينقطع حبل عملهم ، و ربما انتهى بهم الأمر إلى افتراق و عدوان ، ولو أنهم في أول الأمر تفاهموا لما اختصموا .

فنحن ـ أيها الإخوة ـ الذين اجتمعنا على التربية و التعليم من معلم و متعلم ، يجب عليها أن يفهم بعضنا بعض ، و المعلم هو الذي يجب أن يفهمه المتعلمون و يفهمهم هو في نفسه ، لأنه هو انتصب  ليثبت فيهم أفكارا و أخلاقا و آدابا ، و هو مؤثر عليهم أثرا ما … لا محالة ، فمن واجب نصحه لهم أن يفهمهم في نفسه لينظروا في قبول التأثر به فيستمرون معه ، و عدم قبوله فيفارقونه ، و ليكون من قبلوا و استمروا مجتمعين على شيء قد فهموه و اتفقوا على البقاء فيه و التعارف عليه.

و أنا أظن نفسي مفهوما عندما يتصلون مثلكم ، و لو كان دلك في زمن قليل لأني ما فتئت أعلن عن فكرتي التي أعيش لها ، و غايتي التي أسعى إليها في كل مناسبة ، و اليوم ـ و قد تباين ما في بعض من يتصلون بي ـ رأيت من الواجب أن ألقي عليكم هذا البيان مختصرا في سوأل و جواب ، ثم أقف عليه بشيء من الشرح و التفصيل .

س  ـ  لمن أعيش ؟

ج  ـ  أعيش للإسلام و الجزائر.

قد يقول قائل : إن هذا ضيق في النظر ، و تعصب للنفس ، و قصور في العمل و تقصير في النفع ، فليس الإسلام وحده دينا للبشرية ، و لا الجزائر وحدها وطن الإنسان ، و للأوطان الإنسانية كلها حق على كل واحد من أبناء الإنسانية و لكل دين من أديانها حق من الاحترام .

فأقول نعم إن خدمة الإنسانية في جميع شعوبها ، و الحدب عليها في جميع أوطانها ، و احترامها في جميع مظاهر تفكيرها و نزعتها ، هو ما نقصده و نرمي إليه ، و نعمل على تربيتنا و تربية من إلينا عليه ، و لكن هذه الدائرة الإنسانية الواسعة ليس من السهل التوصل إلى خدمتها مباشرة ، و نفعها دون واسطة ، فوجب التفكير في الوسائل الموصلة إلى تحقيق هذه الخدمة و إيصال هذا النفع .

و نحن لما نظرنا في الإسلام وجدناه الدين الذي يحترم الإنسانية في جميع أجناسها فيقول : ” ولقد كرمنا بني آدم ” و يقرر التساوي و الأخوة بين جميع تلك الأجناس ، و يبين أنهم كانوا أجناسا للتمييز لا للتفضيل ، و أن التفاضل بالأعمال الصالحة فقط ، فيقول : ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم “.

و يدعو تلك الأجناس كلها إلى التعاطف و التراحم بما يجمعها من وحدة الأصل ، و وشائج القرابة القريبة و البعيدة فيقول : “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء و اتقو الله الذي تساءلون به و الأرحام “.

و يقرر التضامن الإنساني العام ، بأن الإحسان إلى واحد إحسان إلى الجميع ، و الإساءة إلى واحد إساءة إلى الجميع فيقول : ” من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ، و من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا “.

و يعترف بلأديان الأخرى و يحترمها ، و يسلم أمر التصرف فيها لأهلها فيقول : ” لكم دينكم و لي دين “. و يقرر شرائع الأمم و يهون عليها شأن الاختلاف ، و يدعوها كلها إلى التسابق في الخيرات فيقول : ” لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا و لو شاء الله لجعلكم أمة واحده و لكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون “.

و يأمر بالعدل العام مع العدو و الصديق فيقول : ” و لا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا “.

و يحرم الاعتداء تحريما عاما على البغيض و الحبيب فيقول : “و لا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا “.

و يأمر بالإحسان العام فيقول : ” إن الله يأمر بالعدل و الإحسان “.

و يأمر بحسن التخاطب العام فيقول : ” و قولوا للناس حسنا “.

فلما عرفنا هذا و أكثر في الإسلام ـ و هو الدين الذي فطرنا عليه الله بفضله ـ علمنا أن دين الإنسانية الذي لا نجاة لها و لا سعادة إلا به ، و أن خدمتها لا تكون إلا على أصوله ، و أن إيصال النفع إليها لا يكون إلا من طريقه  ، فعاهدنا الله على أن نقف حياتنا على خدمته ، و نشر هدايته ، و خدمة كل ما هو بسبيله و من ناحيته ، فإذا عشت له فإني أعيش للإنسانية لخيرها و سعادتها في جميع أجناسها و أوطانها ، و في جميع مظاهر عاطفتها و تفكيرها ، و ما كنا لنكون هذا إلا بالإسلام الذي ندين به ، و نعيش له ، و نعمل من أجله ، فهذا يا إخوان معنى قولي : أنني أعيش للإسلام .

أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط من الماضي ، و الحاضر و المستقبل بوجه خاص ، و تفرض  علي تلك الروابط لأجله ـ كجزء منه ـ فروضا خاصة ، و أنا أشعر أن كل مقوماتي الشخصية مستمدة منه مباشرة ، فأرى من الواجب أن تكون خدماتي أول ماتتصل بشيء تتصل به مباشرة ، و كما أنني كلما أردت أن أعمل عملا وجدتني في حاجة إليه : إلى رجاله ، و إلى ماله ، و إلى حاله ، و إلى آلامه ، و إلى آماله . . . كذلك أجدني إذا عملت قد خدمت بعملي ناحية أو أكثر مما كنت في حاجة إليه ، هكذا هذا الإتصال المباشر أجده بيني و بين وطني الخاص في كل حال ، و في جميع الأحوال ، و أحسب أن كل ابن وطن يعمل لوطنه لابد أن يجد نفسه مع وطنه الخاص في مثل هذه المباشرة و هذا الاتصال .

نعم إن لنا وراء هذا الوطن الخاص أوطان أخرى عزيزة علينا ، هي دائمنا منا على بال ، و نحن فيما نعمل لوطننا الخاص نعتقد أنه لابد أن نكون قد خدمنا و أوصلنا إليها النفع و الخير عن طريق خدمتنا لوطننا الخاص .

و أقرب هذه الأوطان إلينا هو المغرب الأدنى و المغرب الأقصى اللذان ما هما و ما المغرب الأوسط إلا وطن واحد لغة و عقيدة و آدابا و أخلاقا و تاريخا و مصلحة ، ثم الوطن العربي الإسلامي ، ثم وطن الإنسانية العام .

و لن نستطيع أن نؤدي خدمة مثمرة لشيء من هذه كلها إلا إذا خدمنا الجزائر ، و ما مثلنا في وطننا الخاص ـ و كل ذي وطن خاص ـ إلا كمثل جماعة ذوي بيوت من قرية واحدة ، فخدمة كل واحد لبيته تتكون من مجموع البيوت قرية سعيده راقية ، و من ضيع بيته هو لما سواها أضيع ، و بقدر قيام كل واحد بأمر بيته تترقى القرية و تسعد ، و بقدر إهمال كل واحد لبيته  تشقى القرية و تنحط .

فنحن إذا كنا نخدم الجزائر فلسنا نخدمها على حساب غيرها ، و لا للإضرار بسواها ـ معاذ الله ـ و لكن لننفعها و ننفع ما اتصل بها من أوطان الأقرب فالأقرب .

هذا أيها الإخوان ـ هو مرادي بقولي : أنني أعيش للجزائر ، و الآن أيها الإخوان و قد فهمتموني و عرفتم سمو فكرة العيش للإسلام و للجزائر ، فهل تعيشون مثلي للإسلام و الجزائر ؟

البصائر العدد 48

25 ديسمبر 1936 نقلا عن مجلة الشهاب.

About فريق التحرير

فريق تحرير مدونة أصوات .