خواطر الأصوات | ‎قف… تلك حدود الله |

‎في مقال لجريدة الخبر الصادرة يوم 24-01-2012 قرأت أن السيد وزير الشؤون الدينية و الأوقاف شبه الانتخاب ”بأداء للشهادة” التي هي واجب على كل مسلم واعتبر هذا ”الواجب” ملزما من الناحية الشرعية ، مثله مثل أي واجب كعيادة المريض أو […]

‎في مقال لجريدة الخبر الصادرة يوم 24-01-2012 قرأت أن السيد وزير الشؤون الدينية و الأوقاف شبه الانتخاب ”بأداء للشهادة” التي هي واجب على كل مسلم واعتبر هذا ”الواجب” ملزما من الناحية الشرعية ، مثله مثل أي واجب كعيادة المريض أو صلاة الجنازة أو أداء عمل اجتماعي . وأضاف : ”الانتخاب حق لكل مواطن وعلى المواطن أن يؤدي هذا الحق” و تعجبت لهذا التشبيه أشد العجب ، لأن الجدير بوزير الشؤون الدينية – على ما يعتقد العبد الضعيف – هو أن يوظف االعبارات الدقيقة الخاصة بالأحكام الشرعية ، كما أن عليه أن يوظف هذه العبارات بدقة ، فكلمات من قبيل “واجب” و ” أداء الشهادة” لها مدلول لغوي و مدلول شرعي (أو اصطلاحي) .

و مادام السيد الوزير هنا بصدد الحديث عن هذه الأمور “من الناحية الشرعية” كما جاء منقولا أعلاه عن الجريدة فلابأس أن أعرج على التعاريف الاصطلاحية لكل مصطلح من هؤلاء .

و لكن قبل ذلك من الواجب (ولا أستعمل كلمة “الواجب” هنا اصطلاحا بل لغة بمعنى الملزم) أن نشير إلى أن عياادة المريض و صلاة الجنازة من فروض الكفاية ، أي أنه إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين ، فإذا كان الانتخاب كعيادة المريض و صلاة الجنازة فعلا – كما زعم السيد الوزير- فلا مكان لإجبار “كل مواطن” على “تأدية هذا الحق” لأن الانتخاب في هذه الحالة فرض كفاية ، فيصبح هذا الإجبار من قبيل التناقض ( و لا أقول التضليل لأنني أحسن الظن بالسيد الوزير و لا أشكك في نواياه) .

لا شك لدي أن السيد الوزير على علم أن الأصوليين (الأصوليون هم أصحاب الاختصاص في أصول الفقه) – رغم اختلافهم في ألفاظ تعريف الواجب – اتفقوا على أن حقيقة الواجب هي خطاب الله تعالى الذي يقتضي الفعل اقتضاء جازما ، و اتفقوا على لوازمه من ثواب و عقاب يترتب الأول على فعل الواجب و يترتب الأخير على تركه ، كما اتفقوا على أن الواجب غير الفرض ، فالواجب ما ثبت بدليل فيه شبهة و الفرض ما ثبت بدليل قطعي . فإن كان الانتخاب واجبا – كما جاء على لسلن السيد الوزير- فلا مكان لتشبيهه بعيادة المريض و صلاة الجنازة . و منه يتبين أن السيد الوزير أخطأ في اختيار المشبه بهم و أنه أخطأ في حكم المشبه ، أي أنه أخطأ في التشبيه جملة و تفصيلا .

إضافة لهذا ، فمما سبق يتضح أن لفاعل الفرض أو الواجب ثوابا ، فثواب عيادة المريض مثلا هو جنا الجنة لقوله صلى الله عليه و سلم : “إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ” ( صحيح مسلم: 4666) ، و ثواب صلاة الجنازة كبير ، عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ” من اتَّبعَ جَنَازَةَ مُسْلمٍ إيمَاناً واحْتِسَاباً ، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّي عَلَيها ويَفْرُغَ من دَفنِها، فَإِنَّهُ يَرْجعُ مِنَ الأَجرِ بقِيراطَين كُلُّ قيرَاط مِثلُ أُحُدٍ ، ومَنْ صَلَّى عَلَيهَا ، ثم رَجَعَ قبل أَن تُدْفَنَ ،فَإِنَّهُ يرجعُ بقِيرَاط ” (رواه البخاري) . و الأحاديث في فضل عيادة المريض و في فضل الصلاة على الجنازة كثيرة ، و لكني أتساءل عن ثواب الانتخاب المشبه بهذين العملين الجليلين!

و بقي لي الآن أن أتعرض للمصطلح الذي لم أتمكن من أن أجد له مكانا في خضم هذا، ألا و هو ” أداء الشهادة”.

أعلم يقينا أن الشرع قد حدد شروطا يجب توفرها في الشاهد، منها :

العلم ، فإن الواحد منا لا يشهد إلا بما يعلم ، يقول عز و جل : {و ما شهدنا إلا بما علمنا}  [يوسف: 81] و قال تعالى : {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] ، و أنه يشهد بما يشهّد عليه و يجوز له ألا يشهد إن هو لم يشهّد أو علم أن العدد اللازم لأداء الشهادة قد تم استيفاؤه .

العدالة ، لقوله تعالى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] و العدالة هي الاستقامة في الدين التي تستوجب أداء الواجبات و المستحبات ، و ترك المحرمات و المكروهات .

و لا تجوز شهادة الابن لأبيه و لا العكس ، و لا تجوز شهادة من يجلب لنفسه نفعا بشهادته و لا شهادة من يدفع بها ضرا عن نفسه ، و لا تقبل شهادة الزور.

و لا أعتقد – بل أجزم – أن لا أحد قد راعى هذه الشروط عند إرسال بطاقات الناخبين لأصحابها . من هذا المنطلق (و ليعذرني السيد الوزير لأن هذا من باب النصيحة لأئمة المسلمين ، و هي “واجب”) يجب أن أصرخ و أقول إن تشبيه الانتخاب بأداء الشهادة تقوّل على الله.

و إليكم أمثلة عن أصناف من الناس الذين لا تقبل شهادتهم ، و لكم الحكم على التشبيه الذي أطلقه السيد الوزير .

لا تقبل شهادة من ترك الزكاة أو حجم عن صلاة الجماعة أو جمعة ، و لا يشهد من خرج لفرجة قدوم أمير، و لا من لبس الحرير، و لا الرقاص و  لا البخيل ، ولا تقبل شهادة من يجلس مجلس الغناء أو مجلس الفجور والشراب وإن لم يسكر لأن اختلاطه بهم ترك للمعروف ، ولا شهادة آكل الربا ومن يسب السلف علانية ومن اعتاد الصياح في الاسواق .

هذه أمثلة قليلة و ما لم أورده كثير ، فالأولى بالسيد الوزير أن يدعو إلى الانتخابات باعتباره رجل سياسة و وزيرا في حكومة ، و أن يشجع الناس على المشاركة فيها – في وجه الداعين إلى المقاطعة –  من المنطلق السياسي العلماني الذي اعتدناه ، لا أن يلبس الانتخاب حلة لا تليق به و لا يليق بها ، فحلة الشرع أنظف من أن توضع على كتف العلمانية أو على كاهل الجاهلية الجديدة .

و لكم و للجزائر مني السلام .

About فريق التحرير

فريق تحرير مدونة أصوات .